فوز ”فولوديمير زيلينسكي“ يعيد إلى الأذهان ترشح ”المهرج كولوش“ لرئاسة فرنسا

فوز ”فولوديمير زيلينسكي“ يعيد إلى الأذهان ترشح ”المهرج كولوش“ لرئاسة فرنسا

المصدر: أمينة بنيفو - إرم نيوز

عاشت أوكرانيا والعالم معها، يوم الأحد الماضي، حدثًا مميزًا بتحقيق الممثل الكوميدي فولوديمير زيلينسكي فوزًا ساحقا على خصمه بوروشينكو، والظفر بمنصب رئيس الجمهورية، ما أعاد إلى الأذهان حكاية نجم الكوميديا الفرنسي الراحل ”كولوش“، الذي تحدى دهاقنة السياسة في فرنسا بترشحه للانتخابات الرئاسية عام 1981.

وسبق للممثل الوسيم ”رونالد ريغان“ أن فاز في الانتخابات الأمريكية وقاد البلاد لولايتين، لكن حكاية كولوش مختلفة ومثيرة للاهتمام، لأنه عرف بجرأته الزائدة ونقده اللاذع للسلطة، واستعماله للكثير من الكلمات النابية، حتى أنه لقب بعد ترشيحه بـ“المهرج عدو الدولة“.

وكان كولوش في 1980 في السادسة والثلاثين ويعتبر النجم الكوميدي الأول في فرنسا حينها، بجمهور عريض وتواجد دائم على المسرح والتلفزيون وفي الإذاعة، حتى أنه كان ينشط ببرنامج إذاعي مباشر كل يوم على إذاعة ”أوروبا1″، لكن جرأته الزائدة في تناول جميع المواضيع وبلغة صادمة أوقفت برنامجه.

فاستدعته إذاعة ”مونتي كارلو“ التي كانت تحتاج حينها لإنعاش برامجها، إلا أن لغته أثارت غضب الأمير ”رينيه“ أكبر مساهم فيها، كما أثارت غضب الرئيس فاليري جيسكار ديستان الذي تخصص كولوش في انتقاده لمدة طويلة، خصوصًا بعد فضيحة تلقيه هدية من الماس من مسؤول إفريقي غني، والنتيجة طرد كولوش من جديد قبل أن يكمل الأشهر الثلاثة المتفق عليها في العقد.

ذلك الأمر دفعه إلى البحث عن منبر أوسع للتعبير عن أفكاره، فقرر خوض معركة الانتخابات الرئاسية ”من قبيل المزاح“ كما صرح عدة مرات، ودون أن تكون لديه ”رغبة حقيقية في الحصول على المنصب“، و“لينتبه السياسيون الفاسدون لما يجري داخل البلاد“، بحسب تعبيره.

فأعلن ”ميشيل كولوتشي“ الشهير بكولوش عن ترشحه بشكل تلقائي على وسائل الإعلام، ونشر بيانًا توجه من خلاله إلى كل أقليات المجتمع الفرنسي ”الخاملين والشواذ والسود والعرب والذين لا يصوتون….“، أما برنامجه الانتخابي فكان في غاية العبثية من قبيل: ”لا مدارس – لا عمل – لا نقود – لا زواج“، والمطالبة بالسماح بكل أنواع المخدرات.

وفي 30 أكتوبر 1980 أعلن ترشحه بشكل رسمي في الندوة الصحفية التي عقدها بالمسرح الذي يقدم به عروضه كل ليلة، وكان عليه أن يجمع 500 توقيع من رؤساء البلديات بمختلف المناطق في فرنسا، والغريب أنه نجح في ذلك وحصل على 650 توقيعًا.

الأمر الذي بدأ بالمزاح لقي اهتمامًا كبيرًا من الفرنسيين، فدعمه بعض الفنانين الكبار مثل المغنيين جوني هوليداي وميشيل ساردو، وبعد ذلك دعمه مثقفون لهم أسماء كبيرة، والأهم أن فئة كبيرة من الفرنسيين عبرت عن رغبتها في التصويت لصالح ”كولوش“، وتم تأسيس 300 لجنة دعم في كل فرنسا من أجله.

 وبتاريخ 14 ديسمبر 1980 كانت المفاجأة، حيث أعلنت صحيفة ”لوجورنال دو ديمانش“ حصول كولوش على 16% من نوايا التصويت، متقدمًا على أسماء مهمة في عالم السياسة.

وساهمت عدة عوامل فيما حدث؛ فإضافة إلى شعبية الفنان هناك الحالة الاقتصادية التي كان يتخبط فيها المجتمع الفرنسي كارتفاع نسبة البطالة وتصاعد الاحتجاجات، ثم رفض الفرنسيين التصويت على أي من المرشحين الأبرز وقتها: فاليري جيسكار ديتسان بسبب ”فضيحة الماس“، وفرانسوا ميتيران بالنظر إلى تاريخه.

كما حصل مع كولوش الأمر نفسه الذي استفاد منه الممثل الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وهو الرغبة في معاقبة السياسيين باختيار شخص لا علاقة له بالسياسة، على اعتبار أن الأمر لن يكون أسوأ بحسب تحليل ”فرانسوا جوست“ المتخصص في علم الإشارات في حوار على موقع ”لوباريزيان“، وهو الأمر الذي فطن له الممثل الفرنسي الذي قال في ندوة إعلان ترشيحه: ”لطالما اعتقدوا أننا أغبياء لذلك سنولي شخصًا غبيًا“.

النجاح غير المتوقع حوّل كولوش إلى عدو للسياسيين الكلاسيكيين الذين اعتبروا نجاحه تهديدًا لهم، وأسلوبه مهينًا لوقار الممارسة السياسية، خصوصًا اليمين الحاكم الذي خطط بكل الطرق للضغط عليه لسحب ترشيحه، بمساعدة الشرطة السياسية .

وكانت البداية بمقتل مديره الفني برصاصتين في الرأس، وتم التحقيق مع الممثل مدة ساعتين، الجريمة التي  فسرها البعض على أنها تهديد مباشر له اتضح أنها من فعل زوجة الضحية، ورغم أن الشرطة توصلت إلى ذلك بعد أسبوعين فقط، لكنها رغبت في إطالة التحقيق لوضع كولوش تحت المراقبة، بتتبع خطواته ومكالماته ومراقبة منزله باستمرار.

الإعلام الفرنسي تتبع  تفاصيل حياة كولوش راجعًا للوراء 50 عامًا، حيث كشف عن التقرير الذي كتب عن الممثل وملفه الذي ظل مفتوحًا حتى وفاته بحادثة سير سنة 1986، وتضمن اتهامات بأنه مسير من طرف اليسار الراديكاي بسبب أصدقائه الذين كانوا من قادة الثورة الطلابية في 1968، وزوجته التي تحمل الفكر نفسه بحسب التقرير.

إضافة إلى تقديمه كشخص مستهتر وغير منضبط، حيث ضبط وهو يسرق في سن الـ16، ثم عوقب بـ53 يومًا في السجن لعدم التزامه بالأوامر خلال أدائه الخدمة العسكرية، وتجاوزه للإشارة الحمراء خلال قيادة سيارته مع إهانة الشرطة، وهذا التقرير تم تسريبه إلى الإعلام الذي خاض حملة شرسة ضد كولوش.

بعد مدة من تضييق الخناق على ”المرشح الرئاسي“، أعلن عن إضراب عن الطعام إذا لم يسمح له بالظهور في وسائل الإعلام كما يكفل له القانون.

 لكن، وقبل شهرين من الانتخابات، أعلن كولوش انسحابه، مبررًا ذلك بـ“عدم حصوله على التوقيعات الكافية“، واتضح له أنه لا يمكنه ”التفاهم مع الناس الذين يعملون في السياسة“.

وبتاريخ 10 مايو 1981 أعلن عن فوز فرانسوا ميتيران برئاسة فرنسا، وكان كولوش موجودًا في مقر الحزب الاشتراكي عند الإعلان عن النتيجة، وبعد فترة وجيزة رفع عنه حظر الظهور في القنوات التلفزيونية.

واعتبر عدد من المحللين بعد سنوات، أن كولوش كان له كبير الفضل في نجاح ميتيران الذي كان مرفوضًا من طرف شريحة مهمة من الفرنسيين، فقد شجع الناخبين على التسجيل في اللوائح الانتخابية، إضافة إلى نقده اللاذع لليمين الفرنسي، وخصوصًا الرئيس فاليري جيسكار ديستان، ثم ترويجه للأفكار الاشتراكية بقصد أو من دون قصد، الأمر الذي رجح كفة خصمه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة