تظاهرات بيروت تكشف تاريخ مدينة تظللها التناقضات

تظاهرات بيروت تكشف تاريخ مدينة تظللها التناقضات

بيروت- أيقظت التظاهرات التي تتخذ من وسط بيروت مسرحا لها تناقضات حيال هوية مدينة دمرت الحرب الأهلية سوقها الذي كان يجمع مكوناتها وابتلعت إعادة الإعمار صورتها التاريخية، فصارت لمن عرفها مدينة لا يعرفها وسوقا مصطنعا لا يمثل هويتها.

وتدفقت الاحتجاجات إلى ساحات وشوارع وسط بيروت التجاري قبل أسابيع، رافعة شعارات بدأت من مطالب بديهية كرفع القمامة من المناطق وتوفير الكهرباء والمياه لتتجاوزها إلى قضايا تقع في صلب بناء الدولة ونهضتها كمكافحة الفساد واستقالة الحكومة الحالية غير المنتجة ومجلس نيابي فاعل وقانون انتخابي عادل وصولا إلى انتخاب رئيس للبلاد يملأ المنصب الذي شغر مع نهاية عهد ميشال سليمان في 25 مايو العام 2014.

وظهر وسط المحتجين أفراد طالبوا بما اعتبروه حقوقا مسلوبة منهم في وسط بيروت التجاري وذكّروا أمام كاميرات الإعلام بما كان عليه عندما كان يسمى قبل الحرب الأهلية ”بالبلد“ أو ”الأسواق“.

في حين طرحت الكتابات على الجدران وأعمال الشغب والتخريب المتعمد أحيانا في ما بات يعرف حاليا بالوسط التجاري أو ”داون تاون“ أسئلة عما تعنيه هذه المنطقة لسكان العاصمة وضواحيها واللبنانيين عموما.

والسؤال هنا ”لو كانت هذه المنطقة تمثلهم وتشكل بالنسبة لهم واجهة للمدينة هل كانوا سيتعاملون معها بهذا المنطق؟“.

وتلاقت هذه التناقضات والأجيال كل لغايتها في وسط العاصمة الذي شكل مرآة انعكست عليه كل الحقب والأزمات التي عصفت بلبنان، فكان أول المناطق التي شملها الدمار والنهب خلال العامين الأولين من الحرب الأهلية أو ما يعرف ”بحرب السنتين“ عامي 1975 و1976 واجتاحته معارك عنيفة بين الجماعات المسلحة المتناحرة سعيا للسيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية.

وشهد كما باقي البلاد خلال سنوات الحرب حتى العام 1990 تهجيرا لسكانه وتجاره وباعته ودمارا شبه كامل لأسواقه التراثية المزدهرة، ففقد معها ما كان يميزه من تعايش بين الطوائف ومزيج فريد بين الطبقات والأمزجة التي كانت كلها تجتمع فيه وتجد في دكاكينه وازقته رزقها ومرادها.

وبعد انتهاء الحرب، منحت حقوق إعادة إعمار منطقة الوسط التجاري لشركة استثمارية ضخمة حملت اسم ”سوليدير“ تملكت عقارات المنطقة وأعطت أصحابها الأصليين تعويضات مادية أو أسهما فيها بدلا عن أملاكهم.

ومنهم من رضي بالتعويضات وآخرين بالأسهم وفئة ثالثة رفضت الخيارين وحملت قضيتها إلى المحاكم وأسست جمعية أطلقوا عليها ”أصحاب الحقوق في وسط بيروت التجاري“ وما زالوا حتى اليوم يطالبون باسترجاع ممتلكاتهم.

أسواق بيروت القديمة المكتظة بروادها لمن لا يعرفها اليوم عديدة وكان فيها وفق ما قالت رئيسة جمعية أصحاب الحقوق في وسط بيروت ريا الداعوق، نحو 300 ألف من أصحاب المصالح وقرابة 15 ألف مؤسسة تجارية.

وكان يباع في هذه الأسواق التي تدل أسماؤها على سلعها كل ما قد يخطر على البال مثل سوق الحرير وسوق الجوخ وسوق الخراطين (خراطة المعادن) وسوق الزجاج وسوق القطن وسوق الأحذية وسوق الخضار وسوق القطايف وسوق النباريج (خراطيم المياه).

وكان في الوسط أيضا أسواق للسلع اليومية كسوق اللحامين وسوق الخمامير وسوق العقادين وسوق النجارين وغيرها.

وتعرضت هذه الأسواق للتدمير كليا أو جزئيا خلال الحرب الأهلية وما تبقى أعيد تصميمه على طراز حديث أوروبي يواكب متطلبات الحداثة.

ولو لم يخضع لإعادة إعمار شاملة، لبقي كما يقول بسام النونو (42 عاما) وهو صحفي من عائلة بيروتية: ”كما العديد من مناطق بيروت بعد الحرب بعضها مهجور والآخر لا يزال يحمل آثار المعارك إما لعدم قدرة أصحابه على تحمل تكلفة الترميم أو لوفاتهم وتشتت تركاتهم أو بسبب الهجرة والبعض الآخر ربما كان رُمّم كما اتفق وفق أهواء ملّاكه وفي كل الأحوال ما كان ليعود أبدا إلى سابق عهده بسبب التغير الديمغرافي الذي طال العاصمة وسكانها خلال وبعد الحرب.“

وبات قلب بيروت بأبنيته الأنيقة ومقاهيه ومطاعمه الفخمة بالنسبة لريا الداعوق ”ميتا وبلا روح“ و“متنزها ترفيهيا“ لطبقة الميسورين والسياح الباذخين بعد أن كان ”نافذة لبنان والشرق الأوسط“ وفق تعبيرها.

وتضيف الداعوق: ”لم يعد يمثل كل أصحاب المصالح والمنتجات اللبنانية بل أصبح مكانا مخصصا للمنتجات المستوردة والماركات العالمية الفخمة التي يمكن أن يجدها المرء في كل مدينة في العالم، كانت الأسواق في الماضي يباع فيها كل شيء وكان يقصدها ويعتاش منها كل الطبقات التي تمثل فعلا النسيج الاجتماعي اللبناني.“

هذه النسخة القديمة لوسط بيروت التي لا يعرفها جيل الشباب كانت ”تؤمن جوارا طبقيا فريدا من نوعه إذ كانت تحتضن أسواق الطبقة الوسطى أساسا والطبقتين الميسورة والرقيقة الحال على جانبيها“ كما يصفها الستيني محمد ابن العائلة البيروتية العريقة الذي لم يشأ ذكر اسمه كاملا.

ويضيف محمد: ”كنت تستطيع أن تشتري كعكة كنافة عند حلويات الجبوري بخمسة وثلاثين قرشا ويستطيع الأكثر اقتدارا شراءها من حلويات البحصلي بخمسين قرشا والثري بخمس وسبعين من حلويات الصمدي وجميع محلات الحلويات هذه كانت موجودة في الأسواق في دائرة قطرها 500 متر فقط بين ساحة رياض الصلح وساحة الشهداء.

ويقول الرجل الستيني: ”كان سوق اللعازارية لمتوسطي الداخل وعلى بعد 200 متر كان سوق سرسق للفقراء وبجواره خان البيض الذي كان يبيع الدواجن والطيور وبجوارهما أسواق الخضار واللحامين والسمك وبركة العنتبلي التي كانت تلم الجميع حولها لشرب المرطبات وإلى جانب كل هذا سوق الصاغة أو سوق الذهب وسوق الطويلة وسوق الفرنج للأغنياء“.

ويتساءل محمد ”أين هذا التجاور الطبقي اليوم؟ وكيف ألغيت هذه الهوية الفريدة لقلب مدينة طاعنة في التاريخ ليقتصر دوره اليوم على وظيفة الترفيه للميسورين؟ لقد تغيرت هوية العاصمة وما حصل في الأسواق هو تشويه للتاريخ.“

هذا الموقف من وسط بيروت الحالي يتفق معه شباب تفصلهم عن جيل ما قبل الحرب هوة عمرية واسعة تقرب من ثلاثين عاما وتقتصر ذكرياتهم عنه على مشاهد الدمار الذي غيّر معالمه.

ويعتبر نادر فوز (31 عاما) الذي يقول إنه شارك بحماس في جميع تظاهرات المجتمع المدني، أن وسط بيروت اليوم هو ”واجهة منقحة ومخملية لا مكانا لكل الناس أو سوقا يمكن أن يستقطب جميع الطبقات“.

ويضيف فوز: ”ما أذكره عن افتتاحه بعد إعادة إعماره هو أنه كان منطقة سياحية بامتياز وأسعارها كذلك، رواده من السياح أو من طبقة معينة من الناس“، لافتا ”خلال دراستي المدرسية والجامعية لم أتمكن من ارتيادها لعدم قدرتي على تحمل كلفتها ولم نكن ندخل إليها حتى.“

ويتابع: ”بعد أن دخلت ميدان العمل وبات لي دخل شهري بقيت هذه المنطقة لا تعني لي شيئا وباتت مناطق أخرى مثل الحمرا تعني لي أكثر لأنها ذات نسيج اجتماعي متنوع وفيها كل شيء وهي مكان يقدر كل الناس على ارتياده ويضم أسواقا وماركات في متناول الجميع من الأرخص إلى الأغلى ثمنا“.

ويخلص فوز إلى القول بنبرة جازمة ”وسط العاصمة بدلا من أن يكون ملتقى فعلي لكل فئات المجتمع بات ينحصر بنسيج مخملي، هذه المنطقة قطعا لا تعنيني بشيء.“

هذا الموقف من وسط بيروت الفخم والعصري لا يلاقي قبولا من ألين خوري (23 عاما) التي كانت ترتشف القهوة مع صديقتيها في مقهى يحمل اسم سلسلة مقاه عالمية بالقرب من دار السينما في أسواق بيروت وهو مجمع تجاري فخم بني على أنقاض جزء من الأسواق القديمة وإن استبقى أسماءها مثل سوق الطويلة وسوق أياس.

وتقول ألين إن هذه هي ”داون تاون“ التي تعرفها وتحبها، مضيفة ”أداوم باستمرار على المجيء إلى هنا مع أصدقائي للتسوق في المتاجر الكثيرة والجميلة المجتمعة في هذا المكان ثم تناول الطعام أو القهوة في أحد المطاعم أو المقاهي، الأسعار مقبولة بالنسبة لي والمتاجر ذات مستويات متنوعة“.

وتؤكد  الفتاة العشرينية أنه ”في كل مدن العالم هناك مناطق سياحية فخمة وأخرى شعبية ويسعدني أن أجد هنا في بيروت الماركات الفخمة العالمية عينها كما في أهم مدن العالم.“

وعلى بعد أمتار قليلة من المقهى الذي كانت تجلس فيه ألين، وفي حي خندق الغميق الشعبي الذي لا يفصله عن وسط بيروت إلا شارع وشارك الكثير من شبانه في الاحتجاجات وأوقف البعض منهم لمشاركتهم في أعمال الشغب، تقول ردانة فواز (18 عاما) التي تعمل في شركة أدوية إن ”دي تي (اختصار داون تاون) مكان جميل وفيه مبان قديمة، لكنهم جملوا المنطقة إلى حد أنها باتت باهظة ولا نقدر على شراء شيء من المتاجر هناك، كل ما نفعله هو التنزه والفرجة على الواجهات الجميلة لكننا لا نقدر ماديا على التسوق أو حتى الجلوس على المقاهي لأنها أيضا باهظة الثمن“.

وتستطرد فواز بابتسامة عريضة ”لكنها منطقة جميلة جدا، جميل أن ننزل إلى هناك كل يوم لكن الطبقة المترفة هي التي تقدر فقط على الاستمتاع بها، ليتها فقط كانت طبيعية حيث يمكن لنا أن نتسوق ونجلس في أي مقهى من المقاهي الجميلة دون أن نقلق من الأسعار.“

أما إبراهيم (20 عاما) الذي يسكن الحي نفسه فيجيب عن ما يمثله له وسط بيروت بكلمتين مقتضبتين لكنهما تعنيان الكثير ”لا شيء.“

وسط كل هذه التناقضات يتراءى وسط بيروت التجاري أو ”داون تاون“ أو ربما ”الأسواق“ ككيان حائر في هويته أفقدته الحرب ذاكرته وبات كأبنيته القديمة قيد الترميم وقد مزق المتظاهرون جزءا من ذلك القماش الأخضر الرقيق الذي يغطيها ليظهر قدرا من جمال بائد وقدرا من حداثة طارئة لكنه أيضا يكشف الكثير من العيوب والتشوهات التي تحاول بيروت نفسها أن تستوعبها وتمزجها لكنها تأبى إلا أن تطفو بين أزمة وأخرى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com