إعانة أم إهانة.. ”قفة رمضان“ في الجزائر تثير جدلا كل عام‎

إعانة أم إهانة.. ”قفة رمضان“ في الجزائر تثير جدلا كل عام‎

 الجزائر– مع حلول شهر رمضان كل عام في الجزائر يظهر إلى السطح الجدل القديم الجديد حول ما يطلق عليه محليا ”قفة رمضان“، وهي مواد غذائية تقدمها الحكومة للفقراء في الشهر الكريم، حيث يراها المسؤولون ”إعانة“ للمحتاجين، فيما يراها آخرون ”إهانة“ لهم.

وجنّدت الحكومة الجزائرية عدة قطاعات كوزارتي التضامن والشؤون الدينية، وهيئة الهلال الأحمر، إضافة للداخلية من خلال مصالحها المحلية من أجل توزيع ”قفة رمضان“ قبيل حلوله، لضمان وصول المساعدات لمستحقيها في آجالها، وتفادي أي فوضى أو تجاوزات تصاحب العملية.

وتشرع الأسبوع المقبل المصالح المعنية على مستوى المحافظات في توزيع ”قفة رمضان“ على مليون و700 ألف فقير، في شكل طرود غذائية تحتوى على أهم المواد الإستهلاكية للعائلة الجزائرية، بقيمة تصل إلى 6 آلاف دينار جزائري (61 دولارا أمريكيا).

وقالت وزيرة التضامن الوطني مونية مسلم، الأحد خلال اجتماع لمجلس الوزراء إن ”كل الاجراءات تم اتخاذها لضمان نحاح العملية التضامنية خلال شهر رمضان والتي ستمس مليون و700 ألف محتاج تم إحصاؤهم“، كما جاء في بيان للرئاسة الجزائرية.

وشددت الوزيرة الأسبوع الماضي خلال لقاء مع إطارات القطاع على وصول المساعدات لأصحابها بأماكن إقامتهم قبيل بداية الشهر الفضيل، حفظا لكرامتهم وتجنبا لكل الاختلالات التي قد تحدث أثناء عملية الإحصاء والتوزيع.

ودعت الوزيرة مسلم حسب الإذاعة الحكومية إلى ”استخلاص الدروس“ من التجارب السابقة، ”لتصحيح الأخطاء التي تكون قد حصلت في الماضي عند توزيع المساعدات على المحتاجين“.

في المقابل، ترفض مؤسسات حكومية وجمعيات خيرية إبقاء الحكومة على صيغة ”قفة رمضان“ كآلية لمساعدة المحتاجين خلال شهر رمضان، لما ثبت بالتجربة خلال السنوات الماضية من عمليات اختلاس وتلاعب في قيمة هذه القفة ووصولها لبعض المحتاجين متأخرة.

وجدّدت رئيس هيئة الهلال الأحمر الجزائري سعيدة بن حبيلس، في تصريح لصحيفة  ”البلاد“ الخاصة، بداية الشهر الجاري، موقفها في اعتبار ”قفة رمضان“ إهانة للمواطن الجزائري قائلة ”الأمر الذي يمس كرامة الجزائري لا نسمح به، وذلك من خلال تكريس مظاهر الطبقية بالمجتمع عن طريق اصطفاف المحتاجين في طوابير طويلة أمام البلديات، الأمر الذي يخدش كرامة وعزة العائلات المحتاجة“.

ودعت بن حبيلس الحكومة إلى التفكير في أساليب مستحدثة لإدارة العملية التضامنية  تكون ”سرية وناجعة“، وعن طريق اعتماد أظرفة مالية تصل إلى المحتاجين.

إلا أن وزيرة التضامن استبعدت هذه الفكرة على اعتبار أن أغلب المحتاجين لا يملكون حسابات بنكية لاستقبال المساعدات المالية الحكومية  كما نقلت عنها صحف محلية في عدة مناسبات.

ويعود الجدل كل مرة حول قيمة هذه المساعدات التي تمنحها الحكومة بهدف حماية الفئات الهشة من المجتمع خلال هذا الشهر الذي يعرف ارتفاع جنونيا لأسعار جميع المواد الاستهلاكية، مما يزيد من عدد العائلات التي لا تستطيع تأمين حاجياتها الأساسية.

ورصدت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الانسان (مستقلة) وجود ”10 ملايين جزائري يعيشون في فقر مدقع ويحرمون من حقوق الإنسان الأساسية، بما في ذلك الغذاء“، وهو ما يجعل توزيع الحكومة مساعداتها على مليون و700 ألف شخص لا يمثل إلا نسبة ضئيلة جدا من عدد المحتاجين.

وكشفت الرابطة، في بيان لها، صدر من يوم 17 مايو/أيار الجاري، بأن معظم البلديات في الجزائر شرعت ابتداء من الرابع مايو/ أيار في استقبال ملفات الفقراء المعنيين بقفة رمضان، قبل أسابيع من حلول شهر رمضان منتصف يونيو/ حزيران المقبل.

وخلفت عملية التسجيل فقط ”فوضى“ داخل البلديات جراء الطوابير اللامتناهية من المواطنين الراغبين في الحصول على المساعدة، بحسب الرابطة.

وعبر عدد من رؤساء البلديات عن استيائهم من ”قفة رمضان“ وما تثيره ضدهم من سخط واحتجاج العائلات المحتاجة لها، حيث يرى رئيس بلدية برج الكيفان بالعاصمة حداد قدور أن ”الوقت غير كافي لدراسة الملفات بشكل دقيق، وتوزيع القفة قبل أسبوع من شهر رمضان“.

وقال إن ”عدم تساوي المبالغ المخصصة لقفة رمضان في كل بلدية، وعدم تحديد المواد الغذائية، سيخلق لنا عوائق كبيرة في عملية التوزيع، وسوف نشهد الأيام القادمة فوضى واحتجاجات واسعة داخل البلدية وفي محيطها“.

كما أكد رئيس بلدية الدار البيضاء بالعاصمة إلياس قمقاني،  أن ”هناك صعوبات تعترض عملية الإحصاء وتوزيع  المساعدات على المحتاجين في هذا الوقت القصير، رغم تسخير كل الوسائل لإنجاحها“.

واعتبر مسؤول الإعلام بحركة النهضة (حزب إسلامي معارض) محمد حديبي، أن نظام الحكم في الجزائر“ اتخذ استراتيجية للتحكم في الشعب عن طريق البعد الاجتماعي“، وذلك ”بعدم توفير ضروريات الحياة والعيش بكرامة للمواطن“.

وأضاف حديبي : ”السلطة لا تريد للشعب أن يتحرر في قوته ليسائله عن سيادته المسلوبة في الحكم“.

ورأى النائب السابق بالبرلمان أن ”قفة رمضان إذلال للمحتاج، وتعمل على غرس سلوك الخنوع والكسل، والتغطية على ممارسات السلطة السلبية من أجل الحصول على قفة العار“.

وتابع: ”الحكومة عوضا عن أن توفر الشغل للبطالين، ليتحرر المواطن في إنسانيته، راحت تسلب له إنسانيته بذله وإهانته وترويضه لسياستها بقفة رمضان، والتي يغتنمها البعض للإختلاس منها على حساب المعوزين، وتصبح هي ذاتها بؤرة من بؤر الفساد الذي ينخر جسد الدولة“.

أما أستاذ الاقتصاد بجامعة ميلة (شرق) مصباح حراق، قال إن ”الطبقة المعدومة في الجزائر في حالة توسع كبير في ظل المؤشرات الاقتصادية السلبية التي نعرفها“.

وأضاف في حديث أن ”كل عائلة يقل دخلها عن 80 ألف دينار جزائري شهريا (800 دولار أمريكي) ليست قادرة على حياة كريمة، وخاصة في شهر رمضان الذي تتضاعف فيه المصاريف وترتفع فيه الأسعار بشكل كبير“.

واعتبر حراق أن ”قفة رمضان لا تكفي حاجيات العائلات المعوزة، وحتى ولو تم مضاعفة الثمن المخصص، لأن الفساد والمحسوبية يقفان سدا منيعا لتحقيق الغاية منها“.

ودعا إلى ”إشراك الدولة للمجتمع المدني والأهلي في انشاء البطاقية الوطنية للفقراء والمعوزين، ليعمل الجميع معا بشكل مستمر على مساعدة هذه الفئات الهشة“.

وبعيدا عن مساعدات الدولة وتعقيداتها البيروقراطية تتوسع في الجزائر دائرة الجمعيات التطوعية الخيرية على غرار ”ناس الخير“، ”جزائر الخير“، و“أولاد الحومة“، التي تعكف هي الأخرى هذه الأيام على تحضير قفة رمضان وموائد الإفطار لصالح المعوزين وعابري السبيل (المسافرين).

وفي هذا السياق قالت مسؤولة الإعلام في جمعية ”جزائر الخير“ (مستقلة) رشيدة صاولي، ”نقوم رفقة لجان الأحياء عبر كامل التراب الوطني بجرد العائلات المعوزة وتقديم المساعدة لها سواء بأغلفة مالية أو بقفة رمضان التي تؤكد أنها توزع على العائلات المعوزة كل أسبوع في رمضان“ .

وأضافت في حديث : ”نتوقع هذا العام أن يكون حجم المساعدات أكبر لإيصالها لأكبر عدد من المحرومين في هذا الشهر الفضيل بسبب توسع دائرة المانحين من ميسوري الحال“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com