لماذا بدأ بوتين تخفيف قبضته على مروجي ”الميمز“ عبر الإنترنت؟

لماذا بدأ بوتين تخفيف قبضته على مروجي ”الميمز“ عبر الإنترنت؟

المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

ذكرت وكالة ”بلومبيرغ“ الأمريكية أنه في روسيا، التي تعد موطن البروباغندا المليئة بالشعارات الدعائية التي تسمى ”ميمز“ عبر الإنترنت وعمليات التصيد الرقمية، يمكن للإنسان أن يُسجن بسبب إعادة نشره ”ميم“ عبر وسائل التواصل الاجتماعية، حيث ازداد عدد الإدانات بمثل هذه الحالات بشكل مطرد في السنوات الأخيرة.

وأوضحت الوكالة أن بروباغندا الكرملين الدعائية القائمة على استخدام ”الميمز“، وهو مصطلح يستخدم لوصف شعار أو فكرة تنتشر بسرعة من شخص إلى آخر، من خلال الإنترنت، والتصيد، جذبت اهتمام المحقق الخاص روبرت مولر ومساعديه من المحققين الباحثين عن روابط بين التدخل الروسي بالانتخابات الرئاسية الأمريكية في العام 2016 وحملة الرئيس دونالد ترامب الانتخابية.

ووفقًا لمنظمة ”سوفا“ غير الحكومية، التي تتعقب التطرف، وانتهاكات حقوق الإنسان في روسيا، أُدين في العام الماضي 658 شخصًا؛ لممارستهم أشكالًا مختلفة من الخطابات ”المتطرفة“، مثل الإساءة لمشاعر المؤمنين المتدينين“ أو ”التحريض على الكراهية“ و“الدعوات للإرهاب والانفصالية“. كما تم تغريم 3511 آخرين لممارستهم انتهاكات إدارية مماثلة.

وأوضحت ”بلومبيرغ“ أن أعداد الإدانات والتغريمات في هذه القضايا ارتفعت من 133 و182 على التوالي في العام 2011، وهو العام الذي سبق بدء بوتين فترته الرئاسية الثالثة التي تميّزت بتصاعد الأعمال الانتقامية ضد أي نوع من المعارضة السياسية.

وتتضمن حوالي 90% من الحالات مقارنة بـ10% في العام 2007، خطابات عبر الإنترنت، كما تتضمن الأغلبية الساحقة منها منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل تحديدًا موقع التواصل الاجتماعي ”فكونتاكتي“ الذي بدأ كنسخة عن ”فيسبوك“ ثم انحرف عنه لاحقًا من الناحيتين التكنولوجية والأيديولوجية، ويستخدمه 68% من مستخدمي الإنترنت في روسيا؛ بينما لا يملك فيسبوك قدرة وصول سوى إلى قرابة نصف قدرة وصول لفكونتاكتي.

ويقول المحلل في سوفا، ميخائيل أخميتييف، أن ”فكونتاكتي تستجيب للطلبات الرسمية من قبل وكالات إنفاذ القانون الروسية وتسلم المعلومات لهم“. كما أن البحث عبر منصة فكونتاكتي أسهل من ”فيسبوك“ وهو شائع الاستخدام بين الشبان الروس الذين يشكلون الجزء الأكبر من المدانين ”المتطرفين“.

تدخل من الأعلى

ومع ذلك، انخفض عدد قضايا خطاب الكراهية التي تم تسليمها إلى المحاكم من قبل الشرطة بشكل ملحوظ في النصف الأول من عام 2018، بحسب أخميتييف، ومن المحتمل أن يكون التزايد في عدد الإدانات قد توقف. وهذا ليس من قبيل الصدفة، حيث يتم تبطيء وتيرتها من الأعلى.

وأدركت شركة الإنترنت الروسية ”ميل. آر يو“ المالكة لمنصة فكونتاكتي أن القضايا تمنح الشركة سمعة سيئة. وفي الشهر الماضي، بحسب ما ذكرته ”بلومبيرغ“، سمحت الشركة لأصحاب الحسابات بجعل حساباتهم خاصة تمامًا، وغير قابلة للبحث، وهي ميزة لطالما حظيت بها فيسبوك.

وأفادت ”بلومبيرغ“ أن شركة التكنولوجيا الروسية العملاقة قدمت التماسًا إلى المحكمة العليا في موسكو؛ لإعادة النظر في الممارسات القضائية في قضايا ”التطرف“، وللبرلمان لمنح عفو لأولئك المدانين.

وأفادت الوكالة أنه من المتوقع أن تصدر المحكمة العليا تعليمات جديدة للقضاة في قضايا ”التطرف“ بإخبارهم أن منشورًا عبر الشبكة الاجتماعية ليس في حد ذاته دليلًا على نية التحريض على الكراهية، وأن حجم جمهور الحساب يجب أن يؤخذ في عين الاعتبار قبل إدانة مالكه. ويشق مشروع قانون يلغي تجريم المنشورات طريقه عبر البرلمان، وهو مدعوم من وزارة الاتصالات، وأمر بوتين بنفسه بتحليل الحالات.

وبيّنت الوكالة أنه يسهل معرفة السبب الذي يجعل مؤسسة بوتين مستعدة للتراجع عن قمعها للخطاب الذي يفترض أنه متطرف. وتتعامل معظم القضايا مع التعبيرات والميمز اليمينية المتطرفة، وهي غالبًا ما تكون معادية للسامية أو معادية للمهاجرين، والتي من المحتمل أن تعد خطاب كراهية غير قانوني في عدد من الدول الأوروبية أيضًا. إلا أن عددًا ملحوظًا من القضايا غريبة جدًا، لدرجة أنها فتحت مجالًا للسخرية من الكرملين، ومقارنته غير المرغوب به بالنظام السوفيتي في مرحلته المتأخرة.

حالات إدانة

وكشفت ”بلومبيرغ“ أنه تمت إدانة فيكتور نوتشيفنوف من سوتشي في العام الماضي، بتهم الإساءة للمشاعر الدينية وغرّم بـ 50 ألف روبل ( 712 دولارًا) بسبب نشره صورًا تسخر من المسيح عيسى؛ في إحدى الصور، استبدل الصليب بعمود تمرين سحب، وفي الأخرى تم إلصاق اليسوع بدلًا من تسميره على الصليب في سخرية لإعلان لاصق.

وحكم على ميخائيل بينكين، وهو ناشط يساري وفي العام 2017 أيضًا، بالسجن لمدة أربعة أيام في مدينة دزيرجينسكي؛ لنشره صورًا مناهضة للنازية احتوت على رموز نازية محظورة، مثل صورة لقبضة تعصر نسرًا يحمل صليب النازية المعقوف.

كما أشارت الوكالة لمنع ألكساندر بيشفيف، وهو مدرس ريفي سابق من منطقة أوريول في وسط روسيا من التدريس في نيسان/ أبريل 2018، والحكم عليه بقضاء 330 ساعة من الأشغال العامة؛ لنشره قصيدة كتبها بنفسه تشيد بالاستقلال الأوكراني، وتدين عدوان بوتين، قال فيها: ”ليحبك الناتو شبكة كبيرة وقوية، وقف الدب الروسي من مضايقة جيرانه“.

وذكرت الوكالة أنه في الشهر الماضي، واجه إدوارد نيكيتين من سانت بطرسبرغ المحاكمة والعلاج القسري في مصح أمراض عقلية؛ لنشره نكتة في منصة فكونتاكتي، نصّت على ما يلي: ”الأب لابنه: أبي، هل تعتقد أن شيئًا سيتغير في البلاد بعد الانتخابات؟، يرد الأب: لا أعتقد ذلك، إذا وضعت مجموعة من حبات الكرز على كومة من البراز، لن يصبح الخليط كعكة“. واعتبرت نكتته هذه خطابًا ”متطرفًا“ يهدف إلى التحريض على الكراهية تجاه المسؤولين المنتخبين.

وفي الأسبوع الماضي، أبلغ ماغوميد دودوف من مدينة نالتشيك منظمة ”سوفا“ غبر الحكومية أنه تلقى حكمًا مع وقف التنفيذ بسبب نشره مجموعة ”ميمز عبر الإنترنت“ تضمنت واحدة يظهر فيها بوتين مرتديًا لتاج، وأخرى لستالين مع خرافة ”كلما قتلت روسيين أكثر، كلما أحبوك أكثر“.

ديكتاتورية ضعيفة

وأشارت ”بلومبيرغ“ إلى أن الإدانات لأسباب سخيفة؛ جعلت روسيا تبدو كديكتاتورية ضعيفة خائفة من ظلها، وهو ليس الانطباع الذي يرغب بوتين بخلقه، وهو ما دفع شركة الإنترنت الروسية ”ميل. آر يو“ إلى محاولة نقل المسؤولية عن الإدانات بخطابات الكراهية بعيدًا عن شبكتها الاجتماعية.

ومع ذلك فإن تليين الموقف مرتبط في الغالب بالمظاهر، بحسب وصف بلومبيرغ. وحتى لو تم تخفيف قوانين ”التطرف“ والممارسات القضائية الحالية، سيأتي الكرملين ببديل أكثر دقة. ويوم الإثنين، قدم مستشار التكنولوجيا دميتري بيسكوف، لبوتين اقتراحًا لإنشاء ”محاكم قانون رقمي“ خاصة من شأنها أن تنظر في قضايا خطاب الكراهية.

وقال بيسكوف: ”من المهم الآن أن نلقي نظرة على عدد الحالات التي شهدناها مؤخرًا، وفصل الحالات التي أدت فيها الميمز، وإعادة النشر إلى عواقب سلبية عن تلك التي تم نشرها لمجرد الحصول على ‘لايك‘. أنا أوافق بالتأكيد على أن الأنشطة على الشبكة الاجتماعية يمكن أن تشكل تهديدًا للمجتمع. إنها طريقة للتلاعب بالوعي“.

وتؤكد ”بلومبيرغ“ أنه وبعبارة أخرى، لا توجد خطة في الكرملين للتخلي عن البحث عن أعداء الدولة على وسائل التواصل الاجتماعي. وليس لدى بوتين أي نية لإضعاف الآلة القمعية التي يحتاجها للحفاظ على قبضته على السلطة.

وأصبحت قوانين ”التطرف“ توفر الآن طريقة سهلة لرجال الشرطة المحليين للحصول على الفضل لحل القضايا. وفي بعض المناطق، أحدثها جمهورية ألطاي في سيبيريا اشتهرت الشرطة بهذا، حيث تولد الشرطة عددًا كبيرًا من الاتهامات بشكل غير متناسب، وهذه ليست نية بوتين الذي يرغب بأن تكون الأعمال الانتقامية مخيفة، وليست سخيفة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة