بهجة العيد لا تكتمل إلا بأداء زكاة الفطر

بهجة العيد لا تكتمل إلا بأداء زكاة...

إخراج المصريين للزكاة يتنوع بين المال والمحاصيل الزراعية، بمقدار ما حدده الشرع، فمن يسكنون المدن يفضّلون أن تكون الزكاة بالمال، أما أهل الريف فزكاتهم من المحاصيل الزراعية.

المصدر: القاهرة - من حازم خالد

ما غَنِي غني إلا بجهد فقير، فجهد الفقير هو نظائر الذهب في خزائن الأغنياء، فمن المعروف أن للفقراء حق معلوم في مال الأغنياء، هذا ما قامت عليه قوائم الإسلام الخمس، في حسبة زكاة المال والركائز وعشور الزروع وما على عليه من حمر النعم، إلا أن زكاة الفطر هي من قبيل الفرض في باب المستحب والعطاء المجزول، فهي الغاسلة لشوائب ما علق بصيام الصائم، ويبقى صعود أعمال الصيام مرهوناً بأداء الزكاة، وبغير أدائها يبقى الصيام معلقاً لا يصعد عمله الطيب، كما أن هناك (تيمات) معينة للفلكلور الشعبي المصري، وأعمال الصيام – ومنها زكاة الفطر – تأخذ طابعاً خاصاً جداً بين المصريين.. وهي أشبه ما تكون بدعوة إلى التوحّد تلبية لنداءات القلوب.. وتعد زكاة الفطر تتويجاً لصفاء الصوم ونقائه في النفوس، والاختبار الحقيقي لما انطوت عليه النوايا والسرائر من رغبة صادقة في التقرب إلى الله تعالى.. ولا يختلف الحال في مصر- بشأن الزكاة – عن سائر البلدان الإسلامية الأخرى، فأهلها يؤمنون بوجوبها، ويدركون أن فاعلها يثاب، وتاركها يأثم، ويقومون بأدائها خلال شهر رمضان وحتى ما قبل صلاة العيد.

ومنذ الفتح الإسلامي لمصر في عهد عمرو بن العاص، استقر الدين الحنيف في قلوب المصريين، وانتشرت المساجد والجوامع، وظهرت أجيال وأجيال من العلماء والفقهاء، عملوا على إنارة الوعي بأحكام الفروض ومقاصدها، ولازالت دور العبادة تقوم بدورها الدعوي، فضلاً عن انتشار الوعي الديني لعامة المسلمين من خلال أجهزة الإعلام المختلفة.

وبذلك حرص المصريون منذ عهود ماضية، على أن ينهلوا من إشراقات الشهر الكريم، حيث تتوجه ملايين القلوب إلى الحق سبحانه وتعالى متوسلة إلىه بطاعته، ومستعينة على هذه الطاعة بذكره وعبادته، وتدبر آياته الكريمة مثل قوله تعالى ”وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون.

ومن هنا يحرص الصائمون على إخراج الزكاة وفق ما هو منصوص عليه في الشريعة الإسلامية. وفي شهر رمضان يزداد المصريون إقبالاً على المساجد، والتوافد على السرادقات الدينية، ومن أبرزها السرادقات التي تقام في رحاب الجامع الأزهر والحسين، حيث يلتقي العامة برجال الدين، ويستفسرون منهم عن أحكام الدين في الصوم والزكاة وسائر الشئون الأخرى، حتى يستبصروا بها في أداء الفرائض، وتقويم السلوك والتحلي بروح وأخلاق الإسلام.. ويحرص فضيلة شيخ الأزهر على لقائه مع ملايين المسلمين من خلال حديثه اليومي عبر شاشة التليفزيون، ليبيّن مقاصد الصوم والزكاة التي شرعت في شعبان من السنة الثانية من الهجر ، وأن الغاية منها إغناء الفقراء عن السؤال في يوم العيد، ويستدل على ذلك من خلال الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة.

ويتنوّع إخراج المصريين للزكاة بين المال والمحاصيل الزراعية، بمقدار ما حدده الشرع، فمن يسكنون المدن يفضّلون أن تكون الزكاة بالمال، أما أهل الريف فزكاتهم من المحاصيل الزراعية، وذلك تطبيقاً لما رُوي عن ابن عمر قال: ”فرض رسول الله صدقة الفطر صاعاً من تمر وصاعاً من شعير“.

ويوضح العلماء أن رسول الله فرض زكاة الفطر لسببين أولهما: ندرة النقود عند العرب في ذلك الحين، فكان إعطاء الطعام أيسر على الناس، والثاني: أن قيمة النقود تختلف، وتتغير قوتها الشرائية من عصر إلى عصر، بخلاف الصاع من الطعام، فإنه يشبع حاجة بشرية محدودة، كما أن الطعام كان في ذلك العهد أيسر للمعطي وأنفع للآخذ، وهكذا يخرج المزكي عن الفرد صاعاً، ويساوي قدحين بالكيل المصري والصاع من القمح يساوي تقريباً ثلاثة كيلو جرامات أي يساوي في الوقت الحالي جنيهين وعشرة قروش وعلى المتيسر أن يخرج أكثر من ذلك.. وبعيداً عن التفاخر والتباهي، يخرج المزكي زكاته في سرية تامة، حيث يتشاور رب العائلة في أمر من تحق لهم الزكاة، أو يقوم هو بتحديد الأسماء ليمضي إلىهم في الخفاء، ودون أن يعلم أحد أنه ذاهب ليؤدي زكاته، وحتى الصدقة تتم بذات السرية.

حكايات طريفة

ومن الحكايات الطريفة – فيما رُوي عن زكاة الفطر – أن أحد الأغنياء كان يعيش في قرية صغيرة، وأعيته الحيل في البحث عن فقير في قريته، وكلما طرق باباً، اعتذر له أهله، وقالوا إنهم يجدون قوت يومهم، وليسوا بمن يُزكى إليهم، ولجأ الرجل إلى إمام المسجد يطلب منه حلاً لمشكلته، فارتسمت الابتسامة على وجه الإمام وقال للثري: ابحث عن فقراء في بلد آخر.

ولعل التكافل والتراحم الذي يسود في القرى والمدن المصرية، هو ما يساعد على اختفاء المعوزين، فالأخلاق الريفية تحتم أن يساعد الجار جاره، فلا تجد سائلاً أو محروماً خلال شهر رمضان، أو سائر الشهور، فكل العائلات مترابطة ويوثّق بينها صلات النسب، فتجد القرية شجرة ورَّاقة متعددة الفروع.. وقد يكون رب العائلة على سفر خلال شهر رمضان، لظروف يقتضيها العمل، ولكنه يحرص على الحضور إلى قريته أو مدينته لقضاء بضعة أيام من شهر رمضان بين أفراد عائلته، وكذلك يقوم بإخراج الزكاة، وإذا تعذر عليه الحضور، فإنه ينيب عنه زوجته أو أحد أولاده في أداء الزكاة، وغالباً ما يخرج الفقراء زكاة الفطر، طالما كانوا قادرين عليها ولا يقبلونها إذا كانوا لا يستحقونها، لإتاحة الفرصة أن تصل الزكاة لمن هو في حاجة إليها.

ويعلم الصائمون في مصر أن إخراج الزكاة بعد صلاة العيد يُعد صدقة، حسب ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ”فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أدَّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات“.

ولذلك يسعد الصائمون بحلول عيد الفطر، وقد أتموا زكاته، فلا تجد من يطرق الأبواب أو يستجدي السؤال، فالكل هانئ ويرفل في ثياب جديدة، وبذلك تحقق المغزى من الصيام والزكاة بمساواة الجميع في الجوع والشبع، ومن يرقب البهجة التي تكتسي الملامح، وفرحة الأطفال بملابسهم الجديدة لا يستطيع أن يفرق بين غني وفقير في أيام الأعياد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com