شاشة رمضان.. كثير من الدراما ومسحة من جرعة دينية

شاشة رمضان.. كثير من الدراما ومسحة...

البرامج التلفزيونية تلبي احتياجات المشاهد الفنية والثقافية والفكرية، خاصة في شهر رمضان الذي يحظى باهتمام مختلف، حيث تقدم فيه البرامج والدراما الدينية بشكل مكثف.

المصدر: القاهرة - من حازم خالد

ما إن يدنو شهر رمضان، حتى يفتح بازار لأعمال رمضان التليفزيونية مما هو دراما إلى ما هو كوميدي، مروراً بما هو عرض لأعمال دينية، وتبرز عبر الشاشة إعلانات عن أعمال هذه الرمضانيات وتزداد هذه الإعلانات كثافة كلما أصبحنا على مقربة من مشارف إطلال الشهر الفضيل، حتى ليتصور للبعض أنه لا يكاد يكتمل رمضان، دون عروض هذه الأعمال، حيث إنه مع مرور الوقت رسخ قطاع الدراما في وجدان العامة، وسرى معها الامتثال لهذا القطاع الإنتاجي للرديف الإعلامي فأقبل الناس طوعاً أو كرهاً في تراصٍ أمام شاشة التلفاز يتابعون متابعة المشوق المستهام، وعلى الرغم من أن بعض ما يُعرض في رمضان في هذا الخصوص يكون من الأعمال الجادة المعدة سلفاً إعداداً جيداً؛ وهي بالضرورة تقع في إطار ما هو مخطط له ومرسوم، إلا أن السواد الأعظم من هذه الأعمال ما هو إلا نتاج لخبط عشواء هدفه الكسب التجاري وليس من أهدافه ترقية الذوق والنهوض بالمفاهيم وتصحيح الفهم ونقل العامة بصورة تلقائية إلى التماهي مع ما هو سليم من تعاطي الدراما والكوميدي، ويتجدد هذا اللقاء اليومي الرمضاني مع برامج ومسلسلات وفوازير وأفلام.. في شكل قائمة طويلة حافلة بما يجذب انتباه المشاهد أو المستمع، ليمتد جلوسه أمام شاشات التليفزيون طوال الليل والنهار، لمتابعة ما يدور أمامه من فقرات متلاحقة، تتخللها فواصل الإعلانات عن السلع الغذائية وأشهر المطاعم التي تقدم الأكلات الرمضانية على مائدتي الإفطار والسحور.. ولعل جهاز التليفزيون له النصيب الأكبر على حساب الراديو، وخاصة في شهر رمضان، حيث تتعدد البرامج المتلاحقة، لأحداث هذا المسلسل أو ذاك، أو السهر لساعة متأخرة من الليل لمشاهدة فيلم أو مسرحية السهرة.

ولا يخلو بيت مصري في المدن والقرى من جهاز التليفزيون، وذلك منذ دخوله إلى مصر في أوائل الستينيات، ليدخل إلى حلبة المنافسة مع الراديو، والسينما، وكان في بادئ الأمر يعرض برامجه من خلال قناتين، باللون الأبيض والأسود، وبمرور الوقت تعددت القنوات، وظهرت الأجهزة ذات الصورة الملونة ذات الأحجام المختلفة التي تحقق الانبهار للمتلقي، مثلما يحدث مع شاشات السينما.

برامج متنوعة

وتتعدد البرامج التي يقدمها التليفزيون، لتلبية احتياجات المشاهد الفنية والثقافية والفكرية، خاصة في شهر رمضان الذي يحظى باهتمام مختلف، حيث تقدم فيه البرامج والدراما الدينية بشكل مكثف، فضلاً عن نقل شعائر صلاة الفجر من المسجد، وكافة الاحتفالات الدينية في شهر رمضان مثل استطلاع هلال رمضان، وليلة القدر، وهلال العيد.. كما يحرص التليفزيون أن يقدم الأحاديث الدينية، واللقاء مع كبار المشايخ والعلماء، للرد على الاستفسارات المتعلقة بأحكام الدين، وتوضيح المغزى من الصوم وحكمته، فضلاً عن اللقاء اليومي مع فضيلة شيخ الأزهر، الذي يعدد مظاهر وحدة الأمة في الشهر الكريم، وأهداف الصوم وقوة الترابط والتآخي، وتهذيب النفس، وتربيتها للامتناع عن الشهوات، وإمساكها عن الملذات، ويكون التوجه – أثناء فريضة الصيام – إلى الله تعالى بالقلب والشعور وبالعمل والجوارح.

ومن هنا تتعلق العيون والأفئدة بالشاشة الصغيرة، لمتابعة هذه الكثافة من البرامج الدينية، فضلاً عن الدراما التاريخية، التي تتناول الانتصارات والشخصيات الإسلامية، ويحتشد لها كبار المؤلفين والفنانين، وتمتد حلقاتها طوال شهر رمضان.. كما يهتم التليفزيون بالجانب الترفيهي في شهر رمضان، حيث تتنوّع برامجه ومسلسلاته الكوميدية، التي ترسم البسمة على شفاه المشاهدين، خاصة الأطفال الذين تقدم لهم أفلام (الكارتون) المليئة بالمغامرات، والتي تستسير وعي الطفل وخياله، لتكون بديلاً عن الحكايات الشفاهية التي كانت ترويها الجدات قديما لأحفادهن.

وفي كل عام يتجدد النقد لبرامج التليفزيون، والمطالبة بإلغاء الفوازير أو الحد من البرامج الترفيهية، لما تسببه من إطالة فترة المشاهدة، والجلوس في المنزل لساعات طويلة، دون أداء الفروض في المساجد، ولذلك ينبه العلماء على تذكير الصائم بواجب الصوم والصلاة، حتى لا ينصرف إلى الترفيه واللهو، أو يطغى ذلك على وقت العبادة والعمل.

آثار سلبية

ومن الآثار السلبية للتليفزيون في رمضان، السهر إلى ساعات متأخرة من الليل، وعدم أخذ القسط الكافي من النوم والراحة، مما يؤثر على أداء الموظف والعامل والطالب، وصاحب أية مهنة، يجذبه التليفزيون ببرامجه إليه وقتاً أكثر من اللازم.. وقد يتعلل البعض أثناء ساعات النهار بأنهم صائمون، وينتابهم الخمول والكسل والتراخي عن أداء مهامهم الوظيفية، والصوم براء من كل ذلك، فالإسراف في السهر أمام التليفزيون، أو تناول الطعام وعدم الحركة والنشاط هم من أهم الأسباب في اضطراب أحوال الصائم أثناء ساعات النهار.

ورغم تحذيرات الأطباء من الجلوس أمام شاشات التليفزيون لساعات، لما له من آثار ضارة على العيون وصحة الإنسان بشكل عام، إلا أن التنافس بين القنوات وزحام البرامج والمسلسلات، يجعل من شهر رمضان استثناء من القاعدة، فيتبدل البرنامج اليومي بين خمول في النهار، ونشاط يمتد إلى ساعة متأخرة مع الشاشة الصغيرة. ومن المظاهر الطبيعية في شهر رمضان، أن يقتني أصحاب المحلات، جهازاً تليفزيونياً لمتابعة البرامج والمسلسلات، ولكن هؤلاء لا يهنأون بالمشاهدة المستقرة، وذلك لأن تردد الزبائن وقيامهم بأعمالهم، يمنحهم متابعة متقطعة، وتضيع لديهم بهجة المشاهدة، ويصبح التليفزيون خلفية صوتية لا تنتبه إليها الحواس المدفوعة نحو العمل، ومتابعة الزحام الذي يشتد في ساعات الذروة قبل موعد الإفطار أو السحور.

مفارقات تليفزيونية

ومن المفارقات أن بعض برامج التليفزيون تحذر من التمادي في مشاهدة التليفزيون، كما تكثر برامج التوعية، والنظام الغذائي الأمثل للصائمين، وعدم الإسراف في تناول الأكلات الدسمة، والإنفاق الباهظ، والتهافت على شراء السلع بكميات مضاعفة، دون مبرر لذلك.. ولازالت بعض الأسر تمنح نفسها قسطاً من البهجة المغايرة، حيث يلتم أفرادها بعد الإفطار للحديث وتبادل الذكريات، والفرق بين رمضان زمان ورمضان الحاضر، لتستمر البهجة والدفء العائلي، بينما يكون جهاز التليفزيون مغلقاً.

كما يكف البعض الآخر عن الاستجابة لإغراءات المشاهدة، ويكتفي بمتابعة البرامج الدينية، وبعض البرامج الثقافية المفيدة، إلا أنه أصبح من اللافت مؤخراً أن بعض البرامج المرتبطة ظهورها بشهر رمضان قدّمت ما أصبح عملية تقايض إمتاع المشاهدين بما تعرضه من سخرية من بعض المشاهير ؛ بتعريضهم لمواقف غاية في إتقان صناعة الخوف المحبك، حتى ينهار هذا الضيف والضحية في نفس الوقت من المشاهير ويصبح فرسة هواجس من الرعب، وهذا كل ما يقدّمه هذا العمل من منتج تليفزيوني قائم فقط على إثارة مشاعر الخوف لدى البعض ومن ثم السخرية منهم، ويكاد يخلو من أي هدف مما يوقعه مثل هذا البرنامج في إطار الأعمال غير الجديرة بالعرض خاصة في شهر قوامه يرتكز على كل ما هو ديني، ولذلك فعليه أن يقوم لمتابعة أعماله، أو الخروج إلى المقاهي للجلوس مع الأصدقاء، أو الذهاب إلى الأحياء الشعبية العامرة بالنفحات الرمضانية المحببة إلى القلوب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com