3 عوامل وراء تشوهات سوق العمل المصري

3  عوامل وراء تشوهات سوق العمل المصري

القاهرة- العمل قيمة في حد ذاته بغض النظر عن مردوده الاقتصادي الذي لا غنى عنه أيضا، والمشكلات الناتجة عن تشوهات سوق العمل، يكون لها مردود سلبي اقتصاديا واجتماعيا، فضلا عن أن الآثار السلبية الناتجة عن سوق العمل تصيب أهم الموارد الاقتصادية للمجتمع، وهي الموارد البشرية.

وسوق العمل المصري يعاني من مجموعة من التشوهات، سواء فيما يتعلق بالمشتغلين أو العاطلين، وقد ساعد على تكريس هذه التشوهات، تأخر خطوات الإصلاح في سوق العمل، أو إن صح التعبير قلتها، بسبب التداعيات الاجتماعية التي صاحبت استمرار الدولة كرب عمل أكبر حتى منتصف الثمانينيات، واستحواذ الحكومة حتى الآن على نحو 6 ملايين عامل يمثلون 22.2 % من إجمالي قوة العمل بمصر.

وفيما يلي نتناول هذه التشوهات من خلال: التشغيل، والبطالة، وقانون العمل.

التشغيل

التشغيل له دلالات اقتصادية واضحة، حيث تعكس طبيعة القوى العاملة مؤشرات الإنتاجية، والقيمة المضافة للقطاعات المستوعبة للقوى العاملة، وتبلغ قوة العمل في مصر 27.6 مليون فرد، يصل عدد المشتغلين منهم 24.02 مليون فرد.

وبالنظر إلى هيكل قوة العمل من المشتغلين نجد أنها تعاني من خلل بين يعكس جوانب سلبية متعددة منها ما يتعلق بالمردود الضعيف للنشاط الاقتصادي لمصر، ومنها ما يتعلق بعدم وجود رابط بين أجهزة التعليم واحتياجات سوق العمل، ومنها ما يتعلق بتدني كفاءة القوى البشرية بمصر.

فعندما ننظر إلى نصيب قطاع الزراعة نجد أنه صاحب أكبر نصيب بين القطاعات الاقتصادية المختلفة من حيث معدلات التشغيل، حيث يستحوذ على نسبة 26.5 % من أعداد المشتغلين.

وبطبيعة الحال فإن قطاع الزراعة في مصر لا يزال يعمل وفق آلات إنتاجية تقليدية، فضلًا عن مشكلات الأراضي الزراعية القديمة، من تفتيت الملكية، وقلة المياه، وغياب توفر البذور والأسمدة وارتفاع تكلفتها.

ويركز قطاع الزراعة على الإنتاج الأولي، مما أدى إلى وصفه بأنه إنتاج اجتماعي وليس إنتاج اقتصادي، بمعنى أنه لا يوجد ترابط بين العمل بقطاع الزراعة ووجود صناعات غذائية تحول مخرجات قطاع الزراعة من سلع أولية إلى منتجات مصنعة، مما يؤدي إلى ارتفاع قيمتها المضافة.

ومن جانب أخر فإن العمل بقطاع الزراعة يعد من العمالة الموسمية وليس العمالة الدائمة.

ويأتي بعد قطاع الزراعة من حيث كبر حجم استيعاب العمالة بمصر قطاع خدمات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية بنسبة تصل إلى 12.2 %، ويرفع من قدرة هذا القطاع على استيعاب العمالة وجود عدد كبير من المدارس والمستشفيات والخدمات الاجتماعية الأخرى تحت المظلة الحكومية، حيث لا تزال مساهمة القطاع الخاص في هذه المجالات ضعيفة، ولا ترقى لأن تكون أحد المصادر القادرة على استيعاب أعداد كبيرة من العمالة.

وفي المرتبة الثالثة قطاع الصناعة بنسبة 11.9 %، ثم قطاع التجارة بنسبة 11.5 %، ثم قطاع التشييد والبناء بنسبة 11.4 %. وجميع هذه القطاعات تعتمد بشكل كبير على المجهود العضلي، فضلا عن ضعف المردود الاقتصادي، والقيمة المضافة الضئيلة.

أما القطاعات التي تعكس درجة عالية من التعليم، مثل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات نجد أنها استحوذت على أقل نسبة من المشتغلين في سوق العمل المصري، وهي 0.8 %.

وما يؤخذ على التصنيف الخاص بنسبة توزيع المشتغلين بالسوق المصري على القطاعات المختلفة، أنه وضع نسبة كبيرة لا يستهان بها من المشتغلين تحت مسمى “أخرى”، وتعد النسبة الثانية من حيث القيمة بعد قطاع الزراعة، فهل هذه النسبة تخص القطاع غير المنظم؟، المقبول أن تكون “أخرى” بحدود 1 % مثلا، أما أن تصل النسبة لهذا الحد ثم تصنف هذا التصنيف الضعيف، فمن شأن ذلك أن يتم تضليل الباحث ومتخذ القرار، بشأن تقويم الوضع الحالي، عند وضع سياسات التشغيل في المستقبل.

ثمة مدخل آخر يوضح سوء السياسات المتبعة في سوق العمل المصري، فبالاطلاع على تصنيف المشتغلين من حيث المؤهل التعليمي، وجد أن الأميين نسبة كبيرة من المشتغلين، حيث يستحوذون على نسبة 25.3 % من إجمالي المشتغلين، وقد يرشدنا هذا إلى وجود نوع من الربط بين هذه النسبة وقربها الشديد من نسبة المشتغلين بقطاع الزراعة، بما يجعلنا نصل لنتيجة تحتاج إلى تأكيد وهي أن غالبية العاملين في قطاع الزراعة من الأميين.

وفي ظل ارتفاع نسبة الأميين لتصل لنحو ربع المشتغلين، نجد أنه من السهل أن تنخفض كفاءة العمالة المصرية، ويكون أدائها الإنتاجي متدنيا مقارنة بالعمالة في دول أخرى.

ويوضح هيكل المشتغلين في سوق العمل المصري، أن الحاصلين على مؤهل متوسط يحتلون المرتبة الأولى من بين المشتغلين، بنسبة 30.3 %، كما يشكل من هم دون المؤهل المتوسط نسبة كبيرة أيضا تصل إلى 21.4 %.

وتحتاج مصر لرفع كفاءة هذه النوعية من شرائح المشتغلين، باستمرار التدريب، وربط تعليمها في مراحل التأهيل المتوسط وما دونه بالتدريب، وربطها بسوق العمل.

وثمة مشكلة كبيرة ارتبطت بسوق العمل المصري، وهي وجود شريحة كبيرة ممن يطلق عليهم “سوق العمل غير المنظم” حيث يستوعب أعدادا كبيرة من المشتغلين بمصر، وبخاصة الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة، وهم الخريجون الجدد.

وتذهب بعض التقديرات إلى أن هذا السوق يستوعب نحو 72 % من الداخلين الجدد لسوق العمل، بينما القطاع الحكومي يستوعب 15 % منهم، والقطاع الخاص المنظم يستوعب نسبة 12 % من هذه الشريحة.

وسوق العمل غير المنظم في مصر يعاني من مشكلات ضخمة، منها العمل غير اللائق، وغياب ضمانات الأمن الصناعي، والأجور المتدنية، وعدم وجود الـتأمين الصحي أو الاجتماعي، وعدد ساعات العمل الممتد، والتي قد تصل لـ 12ساعة يوميا، كوضع طبيعي، وقد تمتد لـ 15 ساعة من أجل ساعات العمل الإضافية.

البطالة

منذ سبعينيات القرن العشرين، ومصر تعيش مشكلة البطالة بشكل كبير، وإن اختلفت صورتها من البطالة المقنعة في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، إلى البطالة السافرة من التسعينيات وحتى الآن، وإن كانت نسبة البطالة – حسب الإحصاءات الرسمية – قد زادت بعد ثورة 25 يناير لتصل إلى 13.3 % من قوة العمل، بينما كانت قبل الثورة دون حاجز الـ 10 %.

ومؤخرا نشر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع معدل البطالة خلال الربع الثالث من عام 2014 إلى 13.1 % بدلا من 13.3 % فيما قبل.

وظل معدل البطالة مرتفعا منذ عام 2011 حيث بلغ في نهاية حزيران/يونيو من نفس العام 11.8 %، ثم وصل إلى 12.6 % في حزيران/يونيو 2012، ثم إلى 13.3 % على مدار عامي 2013 و2014.

وحسب اعتبارات هذه النسب للعاطلين في مصر، نجد أن عددهم يتراوح ما بين 3 ملايين عاطل و3.5 مليون عاطل.

وقد انعكست الأوضاع السياسية التي تعيشها مصر بشكل كبير على واقع البطالة، حيث تزداد نسب العاطلين ممن سبق لهم العمل، بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، واضطرار بعض المنشآت إلى الإغلاق، أو العمل بصورة غير منتظمة، فبيانات عام 2013/2014 تظهر أن نسبة العاطلين ممن سبق لهم العمل تصل إلى 33.4 % من إجمالي العاطلين في نهاية حزيران/يونيو 2014، والبالغ عددهم 3.5 مليون عاطل.

أما من لم يسبق لهم العمل من العاطلين فبلغت نسبتهم 66.6 %، وقد يكون هذا الأمر متوافقا مع الداخلين الجدد لسوق العمل، ولكن الأوضاع التي تعيشها مصر، في ظل تراجع العديد من الأنشطة الاقتصادية، وأبرزها قطاع السياحة قد تطيل الوقت بهؤلاء العاطلين، دون التحاقهم بسوق العمل.

وقد أدى ارتفاع معدل البطالة بعد أحداث 30 حزيران/يونيو 2013، إلى اتساع ظاهرة الهجرة غير الشرعية، أو حتى الهجرة للدول غير الآمنة، مثل ليبيا والعراق، وخاصة ليبيا.

وتعد قضية البطالة واحدة من المشكلات الصعبة التي تواجه مصر، فعلى الرغم من رصد أسباب الظاهرة ووصف علاجها من قبل المتخصصين على مدار سنوات طويلة، إلا أن الواقع لا ينم عن تفاعل لإنزال أدوات علاج قضية البطالة على أرض الواقع، فلا زالت الجامعات والمؤسسات التعليمية المختلفة تدفع بالخريجين بأعداد هائلة دون أية ترتيبات أو روابط مع احتياجات سوق العمل.

وكذلك عدم وجود خطة واضحة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر كعلاج في الأجل القصير لاستيعاب عدد كبير من العاطلين.

وتعمل الجهات المعنية بهذا الأمر في جزر منعزلة، وبشكل عشوائي، مما جعل من مشروعات الشباب متناهية الصغر مشكلة في حد ذاتها، لافتقادها لدراسات جدوى حقيقية، فضلا عن عدم إعداد الشباب لممارسة هذا النشاط.

وهناك تساؤلات عن دور البنوك وانصرافها إلى تمويل الدين الحكومي، وعدم الانشغال بالشكل المطلوب لتمويل مشروعات تعني بالتنمية، وبخاصة المشروعات المتوسطة والصغيرة، وغياب سياسات التدريب في سوق العمل المصري، واكتفاء الجميع بما يعرف بـ “التدريب لمرة واحدة”، من أجل الحصول على فرصة عمل.

قانون العمل

على الرغم من أن مصر قد أجرت تعديلا على قانون العمل في مطلع الألفية الثالثة، إلا أن القانون لم يلب احتياجات العمل، من حيث طبيعة عقد العمل، وشروط العمل اللائق، وبخاصة ربط الأجور بالأسعار.

لقد اتخذت الحكومة المصرية خطوة بتعديل الحد الأدنى للأجور للعاملين لديها، وإن كانت هذه الخطوة اتخذت شكل الزيادة في الأجور في صورة علاوة وليس زيادة في الأجور الأساسية من خلال تعديل قانون العاملين بالدولة لاعتبار الحد الأدنى 1200 جنيه.

ولم يرحب القطاع الخاص بهذه الخطوة، واعتبرها غير مناسبة للظروف الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد المصري، وطالب بأن يتم تطبيقها بالتدريج، من خلال إجراء تشريعي من خلال الحوار بين دوائر العمل الثلاث، وهي أصحاب الأعمال، والعاملين، والحكومة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع