الصديق الكبير.. خزان أسرار والكل يحتاج توقيعه

الصديق الكبير.. خزان أسرار والكل يحتاج توقيعه

المصدر: خالد أبو الخير - إرم نيوز

عكس عجز البرلمان الليبي، عن انتخاب محافظ لمصرف ليبيا المركزي، على الرغم من التحضيرات التي سبقت عقد الجلسة، قوة المحافظ الحالي الصديق الكبير، وقدرته على المضي قدماً في حقل الألغام السياسي واللعب على التناقضات.

وعلى مدى سنوات، منذ توليه منصب المحافظ، يوم 12 تشرين الأول / أكتوبر 2011، قاد الكبير المصرف المركزي من طرابلس وسط أمواج متلاطمة وخلافات سياسية وتدهور عام وحروب الرفاق واختلاف حكومات وتوجهات، واستطاع أن يؤكد دوره، باعتباره الباب المالي للجميع على حد سواء.

وحين بات من الصعب بقاؤه في العاصمة التي سيطرت عليها ميليشيات فجر ليبيا في العام 2014، نقل مقر المصرف إلى فاليتا عاصمة مالطا، لينأى بنفسه ومصرفه عن التقاتل، وإن كان ليس بعيداً عن الصراعات.

ويتحدر من عائلة الكبير بنو الشيخ الطرابلسية العريقة، وهي عائلة بورجوازية كانت كما أشار المؤرخ الفرنسي جاك بيرك، تستمد مرجعيتها من اسطنبول، على عكس البورجوازية المصرية واللبنانية اللتين كانت مرجعيتهما باريس ولندن.

ونشأ الكبير وترعرع في ظل نظام العقيد معمر القذافي الذي ناصب البورجوازية العداء، وعانى من السياسات التي غيرت وجه ليبيا وأخضعت الليبيين للتجريب ضمن نظرية الكتاب الأخضر والنظرية العالمية الثالثة، لكنه لم يعرف عنه معارضته للنظام.

من السجن إلى سيف الإسلام

وتلقى الكبير علومه في الولايات المتحدة بثمانينيات القرن المنصرم، وحال عودته إلى ليبيا عيّن رئيساً لمجلس إدارة مصرف الأمة 1990 – 2000، وهو التعيين الذي ترك أيامها تساؤلات.

مسيرته في مصرف الأمة انتهت بإعلان إفلاسه، وأحال ‏“ﺟﻬﺎﺯ ﺍﻟﺮﻗﺎﺑﺔ ﺍﻟﺸﻌﺒﻴﺔ‏“ الكبير ﻟﻠﺘﺤﻘﻴﻖ معه ﺑﺘﻬﻤﺔ“ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ ﺍﻟﻤﺎﻟﻲ ﻓﻲ ﻣﺼﺮﻑ ﺍﻵﻣﺔ“، وسجن في سجن تاجوراء والدريبي مدة 6 شهور.

خفت نجمه بعدها سنيناً، إلا أن النظام الذي كان يغفر بأبوية زلات أبنائه، التفت إليه حين مد سيف الإسلام القذافي له يداً، وقربه منه وقلده العديد من المناصب في الهيئات والمحافظ الاستثمارية خارج ليبيا، آخرها كان منصب مدير عام مصرف ”آي بي سي“ في لندن العام 2009.

تاجر متمرس

وحين اندلعت ثورة 17 فبراير لم يظهر في الصورة إلا متأخراً، حين وجد المجلس الوطني الانتقالي فيه ضالته، فعينه ﻣﺤﺎﻓﻈﺎً ﻟﻤﺼﺮﻑ ﻟﻴﺒﻴﺎ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰﻱ منذ 12/10/2011 بدعم من عدد من أعضائه والقوى السياسية المؤثرة.

ويقال إن الكبير الهادئ بطبعه والمتحسب لتقلبات السوق، كتاجر متمرس، نسج علاقات قوية مع أطراف عدة إبان كان في لندن، ولم يكن فقط محسوباً على النظام.

انحياز لحكومتي الإنقاذ

ومن فاليتا بدأ الجميع محاولة كسبه إلى طرفه، بعد أن لم يعد في متناول يد أحد، وأعلن أن المصرف سيبقى بعيداً عن أي ”انقسامات أو تجاذبات سياسية“.

ولكن حكومتا الإنقاذ ”عمر الحاسي وخليفة الغويل“ استمالتاه، ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الكبير حوّل دور مصرف ليبيا المركزي من مراقبة وتوجيه النظام المصرفي للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، إلى تنفيذ موازنة حكومتي الإنقاذ خلال عامي 2014 و2015، فضلاً عن تحويله مبلغ 50 مليون دينار إلى المؤتمر الوطني العام العام 2014 دون مستند قانوني وفقاً لتقارير ديوان المحاسبة.. بل وذهب في ذلك شوطاً أبعد، حين قفل المنظومة المصرفية على المنطقة الشرقية بعيد قيام عملية الكرامة، ومنعها حقها في السيولة، مما تسبب في وجود عملة موازية في السوق.

ومن أبرز الاتهامات ضده  ما ورد في تقارير لبعثة اللأمم المتحدة في ليبيا عن تورطه ﻓﻲ ﺩﻋﻢ ﻣﻴﻠﻴﺸﻴﺎﺕ ﻣﺴﻠﺤﺔ.

تحرك برلماني

ولم يتأخر رد مجلس النواب على مجمل هذه السياسات، فقد أقاله من منصبه يوم 14 أيلول/ سبتمبر 2014 وعيّن نائبه علي الحبري مكانه، لكنه لم ينفذ القرار، واستمر في عمله وكأن شيئاً لم يكن.

ولإدراكه أن بقاءه في المنصب تعوزه ”ورقة توت الشرعية“ سارع الى تقديم طعن في قرار النواب، وهو الطعن الذي ردته محكمة استئناف طرابلس وجرى إخفاؤه عامين كاملين، بقوة سطوة الكبير وداعميه.

وزاد من حساسية موقفه، انه عملياً انهى 5 سنوات هي مدة ولاية محافظ المصرف المركزي، وما زال يمارس عمله.

تدهور الاقتصاد

ويتهمه خصومه بأن السياسات الاقتصادية التي صاغها طيلة السنوات الماضية أدت إلى تدهور سعر صرف الدينار أمام الدولار، وانخفاض الاحتياطي من العملات الأجنبية إلى النصف، وارتفاع الدين العام للدولة إلى 81 مليار دينار ليبي، وارتفاع العملة المتداولة خارج المصارف إلى 30 مليون دينار، وطباعة عملة جديدة ”أوراق بنكوت “ دون سحب إصدارات سابقة مما تسبب في رفع معدلات التضخم، وتآكل الودائع المحلية بعد فقدان الناس الثقة بالنظام المصرفي، وعدم تقديم حلول لاستقرار السياسة النقدية.

وبالرغم من كل ذلك، ومع تصاعد دعوات شعبية ونيابية لمحاسبته، وتنظيم موظفين في المصرف حراكات ضده وطالبوه بالرحيل، عجز مجلس النواب عن استبداله، حين انقلبت جلسة الاثنين ”بقدرة قادر“ من جلسة لانتخاب المحافظ الجديد، إلى جلسة نقاش حوله.

على أي كتف يميل؟

لم يقف الكبير صفر اليدين أمام توجه المجلس لاستبداله، فقد سارع إلى عقد مؤتمر صحفي “ نادر“ بالنسبة للرجل الذي عهد عنه ابتعاده عن الأضواء، تحدث فيه عن الوضع الصعب الذي تمر به ليبيا، معدداً إجراءات قاسية للخروج من الأزمة.. وسارع إلى الالتقاء برئيس المجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن السويحلي، الذي أكد له ”ان أحدًا لا يستطيع استبداله بدون تمرير الاتفاق السياسي“.

الآن.. يهمس سياسيون ليبيون بأن الكبير مدعوم دولياً، وأن قرار استبداله  ليس بيد مجلس النواب وغيره، وآخرون يرون أنه ”بات قدراً جاء في وقت عصيب واستمر في ذات الوقت العصيب، حتى يحدث الله أمراً وتتغير المعطيات التي تبقيه في منصبه“.

عموماً، يبدو الكبير بالنسبة لآخرين مناسباً، فقد نجح في البقاء على كرسيه الأول، في ظل تسونامي التغييرات التي تجتاح ليبيا، وعرف على أي كتف يتكيء في الوقت المناسب.

الأهم أن الكبير، الذي يمضي حالياً السنة السابعة في منصبه، خزان أسرار، والكل حين يجد الجد، يحتاجه، فلا شيء يمشي ولا سيولة تتدفق إلا بتوقيعه.