موازنة الإمارات الخمسية.. رسالة تطمين في زمن التقلبات السياسية والاقتصادية

موازنة الإمارات الخمسية.. رسالة تطمين في زمن التقلبات السياسية والاقتصادية

وجهت الحكومة الإماراتية رسالة تطمين وتحفيز للسوق المحلية، من خلال الإعلان عن ميزانية خمسية، تحمل تفاصيلها نكهة سنوات الوفرة المالية، ولعل أكثر ما يلفت في هذه الميزانية أنها تأتي في أجواء تتسم بحالة من عدم اليقين في كل مجال. فهناك عدم يقين بشأن التطورات السياسية والأمنية التي تمر بها المنطقة، وهناك حالة عدم يقين إقتصادية، أبرز مظاهرها التراجع في أسعار النفط، وإنخفاض الموارد المتأتية من هذا القطاع، فضلا عن ارتفاع أسعار الصرف لعملات كثير من الأسواق التي تُعد عمقا لإقتصاد الإمارات، تصديرا أو إستيرادا .

الميزانية الخمسية، رغم ضخامة اعتماداتها، لا تشكل إلا جزءً يسيرا من الحجم العام للانفاق المتوقع، بدولة الإمارات ككل خلال هذه الفترة. فإلى جانب هذه الميزانية الإتحادية، هناك الميزانيات المحلية، والتي تشكل مصدرا رئيسيا من مصادر الإنفاق، في السوق المحلية، والذي يمكن أن يزيد حجمه أضعافا عن حجم الإنفاق الإتحادي.

ولابد من ملاحظة أن الإنفاق الحكومي لم يعد هو المحرك الوحيد للاقتصاد المحلي، وذلك بعد أن نمت مؤسسات القطاع الخاص إلى الدرجة التي أصبح الإنفاق المتأتي من مشروعات التطويرالتي تقوم بها عنصرا رئيسيا من عناصر تحريك عجلة الإقتصاد، وتحفيز مختلف القطاعات.

رسالة التطمين والتحفيز التي تبعث بها الميزانية الخمسية تؤشر إلى أن اقتصاد دولة الإمارات تجاوز إلى حد بعيد، مسألة الإعتماد على النفط، وأنه قطع شوطا كبيرا على صعيد تنويع مصادر الدخل، وتنويع أوعية وبدائل الإستثمار. كما أنها تعبر عن الالتزام بمستوى الخدمات التي تقدمها الحكومة في مجال تقديم الخدمات وتطوير المرافق.

أرقام الميزانية المعلنة والتي تقترب من 250 مليار درهم أي ما يقرب من 70 مليار دولار، ستكون بمثابة إشارة للخروج من حالة التردد والتذبذب التي تعيشها بعض القطاعات، فإعتمادات الميزانية الإتحادية تشكل الحد الأدنى الذي يضمن أن الإمارات قادرة خلال السنوات الخمس المقبلة على إحتواء الثأثيرات السياسية و الاقتصادية السلبية التي تمر بها الأسواق العالمية.

ويرتكز توسيع الإمارات لخططها في الموازنة من ثلاثية إلى خماسية، سعياً منها لتطوير دائرة الخدمات الاتحادية التي كانت العنوان الأبرز للموازنة الثلاثية الأخيرة، مع عدم إغفال أن التوجه الخماسي ينبع من ثقة الدولة بمواردها وحجم وفرتها الاقتصادية وإن اقترن بوضع اقتصادي هش تعيشه المنطقة الخليجية والعربية وحتى العالمية، تأثراً بزمن النفط الرخيص.

أثر النفط..

ويستند المعطى السابق في أن موازنة الإمارات الاتحادية لا تعتمد بشكل رئيس على المدخول النفطي، الذي لايتجاوز الـ6% من الموازنة في أفضل حالاته، فيما تلعب الرسوم الحكومية وبعض أشكال الضرائب، الدخول الرئيسية للموازنة.

وأعطى الاعتماد الضئيل نسبيا على النفط في الموازنة الاتحادية مدى أوسع في النفقات، لاسيما أن سعر برميل النفط يتأرجح بين الصعود والهبوط في دائرة لاتحقق الوفرة أو حتى التعادل لدى الدول التي تعتمد بشكل شبه كلي على النفط، إذا افترضنا أن سعر البرميل بقي يتذبذب بين 45 دولارا و55 دولارا.

وبموجب النسبة الضئيلة من الدخل النفطي للموزانة الاتحادية، اعتمدت وزارة المالية موازنات بدون عجز أو نسب ضئيلة كان يتم إغفالها لبساطة قيمتها عند الإعلان العام عن الموازنات.

ووفق هذا السياق، أكد مسعود أحمد مدير إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى صندوق النقد الدولي، في تصريحات سابقة، نشرتها صحيفة دار الخليج الإماراتية في عدد لها بشهر تشرين الأول أكتوبر2015، أن جهود الإمارات على مستوى تنويع قاعدة النمو الاقتصادي، ربما تجعلها أكثر حصانة أو أكثر قدرة على التعافي السريع من تبعات التراجع الحاد في أسعار النفط العالمية، وتوقع أن تتجاوز الدولة العجز في الموازنة المالية الناتج عن تراجع عائدات النفط لتعود إلى ميزانية صفرية بحلول عام 2017، بعد عجز متوقع بنحو 4% في 2016.

ولايمكن أن نغفل أثر تحرير أسعار الوقود في الإمارات من تجنب تفاقم العجز في الموازنة العامة الاتحادية، الناتج عن انخفاض أسعار النفط، ووفق هذا المعطى صرح وكيل وزارة المالية يونس حاجي خوري في مطلع العام الحالي، أن “الإمارات نجحت العام الماضي (2015) في تحرير أسعار الوقود، وكذلك خفض الدعم المقدم للكهرباء والمياه من دون مصاعب، والعمل على تعزيز سياسة اقتصاد السوق، بحيث يتم ربط سعر الوقود محلياً بالأسعار العالمية”، مضيفاً أن الدولة كانت تقدم دعماً حكومياً للطاقة يصل إلى 64.1%، وعليه فإن تراجع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب انخفاض أسعار النفط سيكون له أثر محدود في الإمارات.

ويبلغ إنتاج الإمارات من النفط نحو 3 ملايين برميل يومياً.

ضريبة القيمة المضافة

ولايمكن أن نغفل الدخول المتوقعة من بدء تطبيق ضريبة القيمة المضافة على الموازنة الاتحادية، المقررة في 2018 وخاصة أن التوقعات تقدر أن مابين 10 إلى 12 مليار درهم في السنة ستكون حصيلة تطبيق تلك الضريبة، وفق توقعات وزارة المالية.

وتشكل الرسوم الحكومية أكبر نسب دخول لموزانة الإمارات الاتحادية، والتي لاتقل عن 70% منها، فيما تأتي بعض أنواع الضرائب كدخول بنسب متفاوتة، وإذا أضفنا مدخول ضريبة القيمة المضافة فإنه بلا أدنى شك سيشكل ذلك رافداً جيداً للموازنة الاتحادية.

عوائد الاستثمار..

لا ريب أن عوائد الاستثمار تشكل أحد أهم روافد الاقتصاد الإماراتي، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، وتلعب الصناديق السيادية الدور الأبرز لهذه الاستثمارات، ونذكر هنا على سبيل المثال وليس الحصر، جهاز أبوظبي للاستمثار، والذي يشكل أحد الصناديق السيادية التابعة لحكومة أبوظبي، بأصول تتجاوز الـ800 مليار دولار، إلا أن هذه الاستثمارات لاتدخل عادة بشكل مباشر ضمن حسابات موارد الموازنة الاتحادية، وإنما يمكن احتسابها ضمن الموازنة المحلية لكل إماراة على حدى، ودون إغفال أن الموازنة الاتحادية لا تغطي كامل نفقات الدولة الإماراتية وإنما بجزء منها “14%”، وفق بعض التقديرات الاقتصادية، فذلك يؤشر ضمناً على أهمية الاستثمارات في رفد الموازنة الاتحادية وإن كان بشكل غير مباشر.

توقعات..

وتوقع وزير الاقتصاد سلطان بن سعيد المنصوري، في بداية 2016، أن يصل حجم الناتج المحلي الإجمالي للدولة بالأسعار الجارية إلى 1.8 تريليون درهم خلال عام 2016، وأن يصل نمو القطاعات غير النفطية بالأسعار الحقيقية إلى 3.6% في العام الجاري. مؤكداً أن التقديرات تشير إلى انخفاض نسبة التضخم إلى 3% وتزايد الإنفاق الحكومي بنسبة تتراوح بين 4.5% و6% عن مستواه قبل انخفاض أسعار النفط.

وتشير تقارير اقتصادية أن معدل النمو السنوي المتوقع للناتج المحلي في الإمارات سيبلغ 4% بين 2016 و 2021.