لماذا تخشى بعض دول الخليج استحداث فرض الضرائب؟(1)

لماذا تخشى بعض دول الخليج استحداث فرض الضرائب؟(1)

المصدر: خاص – إرم نيوز

ما زال جدول أعمال قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربي السابعة والثلاثين، المقررة في التاسع من كانون أول ديسمبر المقبل، في المنامة، ينتظر من وزراء المالية إنجاز ما بقي من مسودة اتفاقية ضريبتي القيمة المُضافة و الضرائب الانتقائية، اللتين تشكلان ملفا مستحقا في نطاق القضايا الاقتصادية المشتركة الأكثر إلحاحاً.

فبموجب ما انتهت إليه الهيئة الخليجية المشتركة التي أنشأتها قمة مجلس التعاون التشاورية، بنهاية مايو آيار الماضي، فإن الموضوع الضريبي سيكون في مقدمة القضايا التي ينتظر أن تصدر فيها عن القمة المقبلة، قرارات إجرائية تنهي ما ظلّ عالقاً في هذا الموضوع، وتحديداً في بعض تفاصيل ضريبة القيمة المضافة التي يرجّح أن توضع قيد التنفيذ في مطلع 2018.

وبوجب ما تم التوافق عليه بين وزراء مالية ”التعاون“ فإن كل دولة من دول المجلس الست، سيكون لديها قانونها الخاص بضريبة القيمة المضافة والذي سيندرج تحت الإطار الأوسع نطاقا لقانون مجلس التعاون.

وتحسبًا لما هو معروف من أن دول المجلس ليست كلها بنفس درجة الحماس أو التردد، فقد تم الاتفاق على أن: ”إذا أبدت أي دولتين من الدول الأعضاء في المجلس استعدادهما فقد يبدأ العمل بضريبة القيمة المضافة اعتبارا من 2018.“

وفي هذا السياق، جاء الإعلان في دولة الإمارات العربية المتحدة هذا الأسبوع، عن صدور قانون بإنشاء الهيئة الاتحادية للضرائب. كما جاء الإعلان في وزارة المالية الاتحادية عن 30 وظيفة جديدة للهيئة تتعلق بمجمّع الضرائب، منها مديرو الامتثال والتنفيذ والمراجعين والمحللين والمحاسبين، كما جرى تعيين شركة ”ديلويت“ لتقديم خدمات استثنائية لوزارة المالية بشأن آلية وبنية الكيان الاتحادي الجديد، بحسب ما نقلت وكالة ”بلومبيرغ“ الاقتصادية عن مراجع ذات صلة

لماذا الضرائب؟

موضوع ضريبة القيمة المضافة كبداية للانتقال الخليجي إلى ”الخيار الضريبي“ والمغادرة التدريجية لنمط الدولة الرعوية المتبع منذ حوالي 8 عقود، بدأ التفكير به رسمياً العام 2008 في أعقاب توصية من صندوق النقد الدولي كانت صدرت العام 2003. أيامها اتفقت دول مجلس التعاون على الدخول المتدرج في العهد الضريبي باستحداث ضريبة القيمة المضافة، بحيث تتراوح النسبة الضريبية ما بين 3 – 5%، أي حوالي ثلث النسب الشائعة عالمياً. وكانت الفكرة تذهب نحو نقلة نوعية لدول التعاون، تسهم في إضفاء طابع اقتصادي متقدم وأقل ريعية.

لكن لم يكن هناك إحساس مشترك بضرورة الاستعجال، خاصة أن الحديث عن الضرائب في الخليج أمر مثير للجدل، فضلا عن أن كل ضريبة في أي دولة كانت، لها تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية وربما السياسية أيضا. ولذلك وعلى مدى ست سنوات بقي قرار “ مجلس التعاون“ بشأن ضريبة القيمة المضافة يراوح بين القناعة السياسية بضرورة تسريع الانتقال في تأهيل المجتمعات الخليجية لإشراك المواطن والقطاع الخاص في تحمّل مسؤوليات تخفيف اعتماد الاقتصاد الكلي على النفط كمورد رئيس للموازنة، وبين التحسّب لما يمكن أن يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية على الاقتصاد الجزئي، سواء لجهة التضخم أو تقليص هامش الرفاهية، فضلاً عن التعقيدات الإجرائية المعروفة التي يستدعيها تحصيل هذه الضريبة.

النقلة النوعية التي استجدت على موضوع ”الخيار الضريبي“ جاءت العام 2014 مع انهيار أسعار النفط الذي تواصل متمثلا بخسارة حوالي 70% من العوائد النفطية، وما ترتب على ذلك من انتقال دول ”التعاون“ إلى واقع العجز في الموازنات العامة للدولة، بنسب متفاوتة.

المصّدات المالية

ومع استمرار أزمة العجز الناتج عن مراوحة الأسعار النفطية حوالي الخمسين دولار للبرميل، فقد اكتشفت دول ”التعاون“ عدم كفاية أو حصافة استخدام المصّدات المالية التي كونتها بأوقات ارتفاع أسعار النفط، في صورة احتياطات. وبدأ التفكير الفردي والجماعي لدى دول ”مجلس التعاون“ باللجوء إلى الخيارات المالية الأخرى غير الاعتيادية لإحداث التغيير الهيكلي في طبيعة إيرادات الدولة، ومنها بالتأكيد موضوع ”الخيار الضريبي“، بكل تبعاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

مجرد الحديث عن استحداث ضرائب في أسواق لطالما عاشت قريبة من توصيف ”الملاذات الضريبية“، واستقطبت عمالة أجنبية ضخمة تبعاً لهذه الميزة، سيفرز بشكل عفوي ردود فعل محلية تتفاوت ما بين عدم التصديق أوعدم الترحيب، وبين التهويل في الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي ستترتب على فرض الضرائب وتغيير أنماط الحياة التقليدية.

وأظهر استطلاع للرأي أُجرى العام 2015 أن نحو 61% أعربوا عن مخاوف من ارتفاع كلفة ممارسة الأعمال في حال فرض ضرائب ضريبة القيمة المضافة أوالضريبة على الدخل والأرباح. وأشار 17% من المشاركين في ذلك الاستطلاع أن فرض الضرائب سيؤدي إلى إبطاء تدفق الاستثمارات الأجنبية الى دول مجلس التعاون.

وفي ضوء مثل هذه التحفظات، وما تتابع بعد ذلك من أزمات إقليمية تأخذها الأنظمة بعين الاعتبار أثناء بحث قضايا الاصلاح الاقتصادي، فقد حظي ”الخيار الضريبي“ بمراجعات معّمقة سواء من جهة الأمانة العامة لمجلس التعاون، أو من طرف الدول الأعضاء في المجلس منفردة.

ولم تُحسم هذه الخيارات الضريبة بالإيجاب إلا بعد الصدمة النفطية 2014، وما ارتدت به من خلل هيكلي عميق في الموارد، استدعى إعادة هيكلة مؤسسية أخذت أشكال الرؤى الوطنية بعيدة المدى، حتى 2030، ومن ضمنها اعتماد الخيار الضريبي والمباشرة فيه. وكان ذلك إشارة قطعية إلى أن الكلف الاقتصادية والسياسية للخيار الضريبي تم بحثها وحسمها، وفق ظروف كل دولة على حدة.

يتبع..