الاقتصاد الفلسطيني يدفع ثمن عنصرية إسرائيل

الاقتصاد الفلسطيني يدفع ثمن عنصرية إسرائيل

الأراضي المحتلة – بعد ساعات فقط من بدء تطبيقه، وتحت حملة ضغوط واتهامات وجهت لحكومته بممارسة ”التفرقة العنصرية“ وقبل أن تتسع الحملة إلى دول العالم المتطور، اضطر رئيس مجلس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تعليق العمل بقرار يقضي بمنع الفلسطينيين من ركوب حافلات النقل مع الإسرائيليين.

ويبدو أن الفلسطينيين لم يفاجئوا بقرار المنع، لأنهم اعتادوا على ممارسات إسرائيل المتعددة والمتنوعة في التمييز العنصري ضدهم واستغلال مواردهم وممتلكاتهم، وليس أقلها بناء الجدار العازل الذي يفصل الضفة الغربية عن الأراضي المحتلة بحجة حماية شعبها والمستوطنات التي تقام على أراضيهم المغتصبة، وقد وصف البروفسور جون دوغارد استاذ القانون والذي يتولى منصب مقرر خاص لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين، ممارسات إسرائيل في الأراضي المحتلة بأنها ”استعماريه، وأسوأ مما حصل في جنوب أفريقيا“.

وأوضح في مقارنته بين انتهاكات حكومة جنوب افريقيا لحقوق الانسان والفصل العنصري، وبين انتهاكات الحكومة الإسرائيلية التي تمارسها ضد الشعب الفلسطيني، وأن أصدق صورة لإظهار مدى الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون، تبرز في النظام الجنوب أفريقي الذي كان يعطي السود بعض الحقوق كبناء المدارس وإنشاء المستشفيات والمصانع، في أماكن مخصصة توفر لهم فرص العمل، في حين أن النظام في اسرائيل فشل بتوفير جميع هذه العناصر للفلسطينيين.

وإضافة إلى ذلك، انتقدت منظمات حقوقية قرار المنع الاسرائيلي ووصفته بـ “ الخطوة غير المسبوقة“ التي تسبب إذلالاً غير ضروري للفلسطينيين وستضر بإسرائيل في نهاية المطاف.

وإذا كان وزير الدفاع موشيه يعالون الذي يقف وراء هذا القرار قد برر صدوره لأسباب أمنية، لحماية الإسرائيليين من هجمات الفلسطينيين، مؤكداً بأنه سيسمح ”بالسيطرة بشكل افضل على حركة الفلسطينيين، ويحد من المخاطر الأمنية“، فإن أسباباً اقتصاديه أضيفت الى حملة ”التمييز العنصري“، كانت وراء تعليمات رئيس الوزراء بتعليق العمل بالقرار، بعدما تبين أن من شأن تنفيذه أن يعرقل تنقل آلاف الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل، بسبب اضطرارهم إلى المرور عبر أربع نقاط تفتيش للذهاب إلى أماكن عملهم، وكذلك في العودة إلى منازلهم، ما يؤدي إلى هدر وقت كبير على الطرقات، بما يؤخر عمليات الإنتاج، وزيادة كلفته، ويعود بذلك بالضرر على المؤسسات الإسرائيلية من مصانع ومزارع، والتي تعتمد على تشغيل اليد العاملة الفلسطينية.

ثمن المواقف السياسية

على الرغم من تجميد القرار العنصري بفصل الفلسطينيين عن الإسرائيليين في ركوب الحافلات، فإن سياسة الفصل راسخة في النظام الإسرائيلي الذي يوفر الحرية لحركة اليهود ويفرض القيود على الفلسطينيين، ويلاحظ أن التراخيص للسكن في أماكن معينه لا تقوم على أساس توزيع متساو حسب معايير عادلة ونزيهة، وكذلك في استحقاق الحقوق الاجتماعية وخدمات الرفاه لجانب واحد، واستغلال مقدرات الأرض للجانب الثاني، وهناك منظومه قوانين تنطبق على الناس في ذات الأراضي الإقليمية والتي تتضمن محاكم مختلفة وعقوبات مختلفة.

وتحصل هذه الممارسات الإسرائيلية، في وقت تشهد فيه القضية الفلسطينية تحولات متعددة، أحدثت تغييرات متسارعة على الخارطة السياسية منها الانقسام والصراعات الداخلية الفلسطينية والاعتراف بفلسطين ”دولة“ وعضواً مراقباً في الأمم المتحدة إلى جانب الأزمات المالية، وانعكاسها السلبي على الوضع الاقتصادي بشكل عام، خصوصاً بعد دخولها (أي القضية) مرحلة دبلوماسية لعلها الأصعب في تاريخها، لتتجلى بتقديم السلطة إلى مجلس الأمن مشروع قرار فلسطيني لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي والاعتراف بدولة فلسطين، رغم علمها المسبق بتهديدات الولايات المتحدة المستمرة باستخدام حق النقد (الفيتو) لمنع صدوره.

ومع قبول انضمام دولة فلسطين إلى عضوية المحكمة الجنائية الدولية (محكمة لاهاي) بدءاً من أول أبريل/ نيسان 2015، وارتفاع حدة الخلافات السياسية مع اسرائيل والتي أصبحت تهدد الوضع الاقتصادي، وعلى الرغم من استمرار العمل في ظل بيئة عالية المخاطر، تتوقع تقديرات سلطة النقد بين احتمالين اثنين، الأول ايجابي ويشير إلى نمو الاقتصاد الفلسطيني بنسبة 6.3% في العام 2015، في حال حدوث تحسن في الأوضاع السياسية وانتظام تحويل ايرادات المقاصة وتدفق المنح والمساعدات وأموال إعادة إعمار قطاع غزة بشكل منتظم ومستمر، أما في حال تدهور الأوضاع السياسية والأمنية بشكل حاد، فإن توقعات السلطة تشير إلى انكماش بنسبة 4.1 في المئة مقارنة بالعام 2014.

ولكن في الوقت نفسه استبعدت توقعات سلطة النقد أن يحقق الاقتصاد الفلسطيني تعافياً كبيراً في العام 2015، وذلك استناداً إلى أن معدل النمو الحقيقي في الربع الأول من العام قدر بنحو 1.3% عن الربع الأول من العام 2014، مع أن الربع الرابع من العام الماضي قد شهد انكماشا بنسبة 4.4%، وسجل مجمل الاقتصاد انكماشاً بنسبة 1.2% للعام 2014 بكامله مقارنة مع العام 2013، وقد أوردت سلطة النقد هذه التوقعات بتحفظ، لأنها تبقى عرضة لحالة الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

ولوحظ أن العام الحالي بدأ بتطورات منها الايجابي ومنها السلبي، حتى إن بعض التطورات السلبية قد تنعكس بتداعياتها بشكل إيجابي على الاقتصاد الفلسطيني، فبالإضافة إلى التطور الايجابي الكبير الذي سجله قبول فلسطين في عضوية المحكمة الجنائية الدولية، فقد تسلمت السلطة من المملكة العربية السعودية مبلغ 60 مليون دولار تسديداً لالتزاماتها عن ثلاثة أشهر (يناير/ كانون الثاني، فبراير/ شباط، مارس/ آذار)، وساهم هذا المبلغ برفع احتياطي السلطة الفلسطينية من النقد الأجنبي بنسبة 14.6%، حتى بلغ بنهاية مارس/ أذار الماضي نحو 545.5 مليون دولار، وهو يكفي الفلسطينيين من الواردات لقرابة 41 يوما.

وبرز في الوقت نفسه تطور سلبي بإقدام إسرائيل على حجز أموال الضرائب التي تجبيها من الفلسطينيين لحساب السلطة والتي بلغ حجمها عن فترة الثلاثة أشهر الماضية نحو 500 مليون دولار، احتجاجا على تقدم فلسطين بطلب انضمامها إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولكن تل أبيب تراجعت عن قرارها وأفرجت مؤخراً عن المبلغ ناقصاً الثلث تقريباً لسد ديون متراكمة على الفلسطينيين لمؤسستي الكهرباء والمياه في اسرائيل، إضافة إلى اموال لعدد من المستشفيات الإسرائيلية التي سبق أن حولت وزارة الصحة الفلسطينية إليها حالات مرضية، الأمر الذي رفضه الرئيس الفلسطيني محمود عباس مهدداً باللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لاسترجاع الأموال الفلسطينية كاملة، ومؤكداً بقوله: ”هذه أموالنا وليست حسنه أو تبرعا منكم، ولن نقبل إلا أن نحصل على حقنا كاملا“.

وقد أحدث هذا التطور أزمة ماليه للسلطة الفلسطينية التي تحتاج شهرياً إلى نحو 170 مليون دولار لدفع رواتب 175 ألف موظف حكومي مدني وعسكري، وهي تحصل نحو 120 مليون دولار شهريا من الضرائب التي تجيبها اسرائيل من الفلسطينيين، ويشكل هذا المبلغ نحو ثلثي دخل السلطة، ما جعلها عاجزة عن دفع رواتب الموظفين عن الأشهر الثلاثة الماضية، ومع تهديد الرئيس الفلسطيني، فإن ملف الأموال سيضاف إلى ملفي الاستيطان والحرب الأخيرة على غزة لتقديمها الى المحكمة الجنائية الدولية.

موازنة 2015

من الطبيعي أن تنعكس هذه التطورات على موازنة السلطة لعام 2015 والتي يتوقع أن تتجاوز الخمسة مليارات دولار، وهي تحمل عجزاً يزيد عن ملياري دولار مقارنة مع 1.6 مليار دولار عجز موازنة العام الماضي، أي بزيادة 58%، وتعتمد السلطة على سد هذا العجز من المساعدات والمنح الخارجية العربية والدولية، فضلا عن قروض داخلية من البنوك الفلسطينية، وذلك على الرغم من استمرار الشكوى من تلكؤ الجهات المانحة في دفع المستحقات المترتبة عليها، خصوصا وأن السلطة لم تتسلم في العام الماضي سوى 60% من قيمة المساعدات المقررة، ويلاحظ في هذا المجال أن الدعم الأوروبي قد تراجع من 300 مليون دولار في العام 2013، إلى نحو 250 مليوناً في العام 2014، وكذلك الدعم الاميركي الذي تراجع ايضاً من 350 مليون دولار إلى فقط 100 مليون، ويعود هذا التراجع إلى اعتماد تلك الجهات وصيلة الضغط السياسي على السلطة الفلسطينية لا سيما بعدما لجأت الى المجتمع الدولي لتحصيل حقوقها من اسرائيل.

ومعاناة الفلسطينيين في إسرائيل ليست جديدة، بل تعود إلى تاريخ قيام الكيان الصهيوني في العام 1948، وهم ما زالوا يعانون من سياسات التهميش الاقتصادي والتمييز والاستغلال ومصادرة الموارد والأراضي وفرض الاستيطان.

وتقوم إسرائيل باستمرار بحجب الموارد الاقتصادية عنهم بهدف ضمان تعلقهم بالموارد الاقتصادية وأماكن العمل التي تعود إلى الأغلبية اليهودية، وهي تجند الاقتصاد الفلسطيني لخدمة مشروعها القومي، وإذا حصل أي تغيير في الممارسة، فإنه لا بد أن يتناسق مع مصالحها أولاً وأخيراً، وأن يحافظ على تبعية الاقتصاد العربي، على أساس أن أي تغيير يجب أن يلبي احتياجات الاقتصاد الاسرائيلي، ولكن رغم ذلك، يلاحظ أيضا أن مؤسسات الكيان الصهيوني باتت تعي أنه لا يمكن للاقتصاد الإسرائيلي أن يتطور من دون تطوير الاقتصاد الفلسطيني بشرط أن يكون ذلك تحت سقف الأهداف الإسرائيلية، وأن يكون هذا التطور جزءاً يخدم أجهزة ”الإشراف والرقابة“ المعمول بها تجاه الفلسطينيين في الداخل.

ولتحقيق هذا الهدف تقوم حكومة تل ابيب من خلال شركاء فلسطينيين في القطاع الخاص من دون إشراك مؤسسات فلسطينية رسميه أو شبه رسمية، وهي تسعى إلى الفصل بين الاقتصادي والسياسي، وبين الاقتصادي والقومي في حالة الفلسطينيين في الداخل، وتقوم بحملة لإقناع بعض رجال الأعمال بالتنازل عن النضال السياسي والقومي، والاكتفاء بالمطالب الاقتصادية الفردية اليومية وتحسين ظروف المعيشة.

وفي ظل كل هذه التطورات، تفاعلت حملة المطالبة بإسقاط ”بروتوكول باريس“ الموقع في 29 نيسان (ابريل) 1994 ، والذي ينظم العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل، خصوصاً وأن تل ابيب سبق أن اسقطته بالفعل بممارستها في إخراج غزة من هذه المنظومة، وبناء الجدار الفاصل وغيرها من الممارسات، مع التأكيد على أن هذا ”البروتوكول“ كان المعرقل الرئيسي لتطوير وتنمية الاقتصاد الفلسطيني، والبوابة الرئيسية لتفاقم أزمة البطالة التي وصلت في غزة إلى نسبة 45% من القوى العاملة، فضلا عن تدهور مستوى المعيشة وزيادة معدلات الفقر المدقع، نظرا للقيود الثقيلة التي يفرضها على تطور مختلف قطاعات الاقتصاد الفلسطيني، من زراعة وصناعة وخدمات واستثمارات ماليه وتكنولوجيا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com