خيارات صعبة لرجال الصناعة السوريين بين أنقاض حلب – إرم نيوز‬‎

خيارات صعبة لرجال الصناعة السوريين بين أنقاض حلب

خيارات صعبة لرجال الصناعة السوريين بين أنقاض حلب

المصدر: رويترز

عندما وصلت الحرب الأهلية السورية إلى مدينة حلب الصناعية في 2012، وجد اثنان من رجال صناعة النسيج نفسيهما أمام خيار من اثنين.. إما البقاء أو نقل نشاطهما بعيدًا عنها.

وبعد تسعة أشهر من انتهاء القتال في حلب يبين كفاح أحدهما الذي اختار البقاء في المدينة لإعادة فتح مصنعه سبب عدم عودة الآخر حتى الآن من الأردن، حيث وجد الأمان.

نقل مصطفى كواي، الذي بقي في حلب آلات نسج القطن في مصنعه، إلى موقع مؤقت والآن جلب عمالًا لتطهير المصنع من الركام لإعادة فتحه.

وقال: ”أكبر مشاكلنا هي الكهرباء. كذلك العمال قليلون جدًا لأن الجميع في الجيش. العقوبات تؤثر على العمل. والزبائن لا يستطيعون المجيء إلى هنا. وتحويل الأموال صعب. ومن الصعب شراء قطع الغيار“.

أما محمود العقاد، صاحب مصنع السجاد الذي غادر سوريا خلال الحرب مثل كثيرين من رجال الصناعة في حلب، فلم يواجه أي مشاكل من هذا النوع في الأردن، حيث أعاد بناء مصنعه واستمر في تصدير إنتاجه إلى زبائنه القدامى في مختلف أنحاء العالم.

وأوضح مفسرًا فوائد انتقاله إلى منطقة صناعية في بلد لم يتأثر بما شهدته منطقة الشرق الأوسط من اضطرابات: ”ماذا استفيد إذا كنت أريد إقامة مصنع ولا يوجد آمان“.

وقدّر صندوق النقد الدولي العام الماضي، أن الاقتصاد السوري انكمش بنسبة 57% أثناء الحرب، وأن انكماش قطاع الصناعة وحده بلغ 77%.

ومنذ ذلك الحين، مالت كفة الحرب لصالح الأسد، إذ أخرجت قواته والقوات المتحالفة معها مقاتلي المعارضة من حلب ومن جيوب أخرى بالقرب من المدن المهمة.

حرب ودمار

لكن الحرب ما زالت تهيمن على الاقتصاد السوري حتى في المناطق التي توقفت فيها الاشتباكات. ولحق الدمار بمعظم مصانع حلب، في حين أصيبت مصانع بأضرار جسيمة أو تعرضت للنهب.

وهربت الأيدي العاملة مع النازحين الفارين أو انضم العمال إلى صفوف المقاتلين. ورغم مد خط كهرباء جديد في المدينة إلا أن الكهرباء المتاحة قليلة، وهو ما يجعل الناس يعتمدون على مولدات باهظة التكلفة تعمل بالديزل، والكهرباء ضرورية لضخ المياه.

وما زالت الاشتباكات تدور خارج حلب. ويدير الجيش والفصائل المتحالفة معه حواجز أمنية في المدينة، يقول بعض السوريين: إن الجنود الواقفين بها يطالبون برشاوى للسماح للبضائع أو العمال بالمرور. وينفي الجيش هذا الاتهام.

وللسفر من المدينة يتعين سلوك طرق ضيقة للالتفاف حول المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، والمرور عبر المزيد من الحواجز الأمنية.

وتزيد العقوبات الغربية من صعوبة التجارة الخارجية بشدة، إذ تعوّق شراء المعدات الجديدة ومدفوعات الصفقات التجارية.

ورغم أن الحكومة تحث قطاع الصناعة على العودة إلى المناطق التي استعادت السيطرة عليها، إلا أن بعض رجال الأعمال يقولون إنها لا تبذل من الجهد ما يكفي لإعادتهم.

حوافز

قال فارس الشهابي رئيس غرفة الصناعة في حلب إنه منذ انتهاء القتال ارتفع عدد المصانع والورش ارتفاعًا حادًا.

وأضاف أن عدد المنشآت العاملة في المدينة قبل الحرب كان 65 ألفًا. وعندما رحل مقاتلو المعارضة في ديسمبر/ كانون الأول كان العدد 4000 منشأة. وقال إن العدد يبلغ الآن 6000 منشأة، وعزا الزيادة إلى عودة رجال الصناعة الذين استأنفوا نشاطهم.

غير أن الشهابي، أحد أنصار الأسد والذي فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات عليه لدعمه الحكومة، ينتقد سياسة إعادة الإعمار.

وقال في مقابلة: ”توجد بعض الحوافز لكنها ليست كافية“، مشيرًا إلى خطوات أخذتها الحكومة مثل تخفيضات ضريبية وتخفيض الرسوم الجمركية على الواردات الصناعية.

ولم تقدم الحكومة حوافز خاصة لمدينة حلب. وقال الشهابي: ”يجب أن يعاملونا كمنطقة مدمرة. ليس لدينا مستوى الإدارة اللازم فعلًا لإنقاذ الصناعة وإدارة عجلتها من جديد“.

وفي الأردن، قال العقاد إن الحكومة شجعته على العودة وإنه يأمل أن يفعل ذلك في نهاية المطاف. وأضاف قائلًا: ”كل شيء يتوقف على تحسن الظروف“.

وبنا العقاد مصنعًا واحدًا يُنتج معظم ما كان ينتجه من سجاد في حلب، ويستثمر أيضًا خمسة ملايين دولار في مصنع جديد لصناعة الغزل.

ولحق به إلى الأردن بعض من أمهر عمال النسيج وبقي قليلون آخرون في حلب. وقال: ”5% فقط من العاملين بقوا. الغالبية توجهت إلى ألمانيا وإلى تركيا“.

إحساس بعدم الأمان

تبين الإحصاءات الرسمية أن حلب كان يوجد بها في 2010 نحو ثلث الشركات الصناعية وعمال الصناعة في سوريا. وقال الشهابي إن نحو مليون شخص كانوا يعملون في مصانعها.

وعلى مدى السنوات العشر التي سبقت الحرب ازدهرت المنشآت الصناعية في حلب بسرعة أكبر.

كان العقاد بين أوائل من رحلوا عن ورش قلب المدينة ونقل عملياته إلى الشيخ نجار أكبر المناطق الصناعية بالمدينة وتقع شمالها.

وكانت أسرته تمتلك ثلاثة مصانع هناك، وكان أحدها من أكبر مصدري النسيج في سوريا.

وأصبحت منطقة الشيخ نجار مسرحًا للقتال في العام 2013، وكاد العقاد أن يخسر علاقاته التجارية التي تكونت على مدار 50 عامًا.

وقال: ”اليوم عندك زبائن في كل أنحاء العالم. شيء مكلف جدًا أن تكون شبكة جديدة من الزبائن. بل أغلى من المصنع نفسه“.

وفكر العقاد في البدء من جديد في تركيا أو لبنان أو مصر. فقد انتقل بعض رجال الصناعة إلى هذه الدول الثلاث واتجه آخرون إلى مناطق أخرى في سوريا، لكن العقاد اختار الأردن الذي لم يتأثر بانتفاضات الربيع العربي في 2011.

ويقع مصنعه الآن في منطقة صناعية تخضع لإشراف أمني في الأردن، حيث يقف جنود مكافحة الإرهاب بمدافعهم الرشاشة للحراسة عند مدخلها.

وأضاف: ”ما جاء بنا إلى هنا هو الأمن“.

 أرض خراب

واشترى مصطفى كواي في عام 2013 آلات جديدة، وبدأ ينتج في موقع مؤقت في منطقة تخضع لسيطرة القوات الحكومية في حلب.

وهذا الموقع، الذي ما زال يمثل إنتاجه بالكامل، هو مبنى متداعٍ بالقرب من ستاد حلب، وفي الناحية الأخرى من الممر ورشة لنشاط مختلف يقوم فيها أطفال صغار بصنع أحذية رياضية في جو فاسد تملؤه أبخرة المواد اللاصقة، فيما يشير إلى مدى انتكاس الصناعة في المدينة بعد أن كانت في يوم من الأيام متقدمة.

ويبلغ إنتاج كواي الآن حوالي طنين من بالات القطن يوميًا، بالمقارنة مع 18 طنًا كل يوم قبل الحرب.

وعندما زارت ”رويترز“ مصنعه كانت آلات غزل القطن تعمل في غرفة تتكدس فيها الأشياء. وكانت بالات مغطاة بالبلاستيك من القطن الأبيض ملقاة على جانبها.

ويتم توفير الكهرباء من خلال مولد يعمل بوقود الديزل، وتبلغ تكلفة تشغيل خمس آلات كل أسبوع 250 ألف ليرة سورية (480 دولارًا).

أما في مصنعه المبني خصيصًا للإنتاج قبل الحرب فقد كان يدفع 100 ألف ليرة أسبوعيًا لتشغيل 30 آلة في منطقة معامل الليرمون الصناعية في غرب حلب، وكانت قيمة الليرة السورية تبلغ نحو عشرة أمثال قيمتها الحالية مقابل الدولار.

وكانت لديه أماكن فسيحة للتعبئة ومنشآت أخرى يفتقر إليها في موقع الإنتاج المؤقت.

ومنطقة الليرمون مثل موقع الشيخ نجار هي الآن أرض خراب من المباني الممتلئة بالفتحات التي أحدثتها القذائف، وأغلبها خالٍ إلا من حواجز الجيش.

لكن كواي بدأ يتحرك للعودة. وخارج مصنعه كان عدد من العمال يقوم بنقل الركام في شارع ينتهي فجأة على مسافة مئة متر بمدفع مهجور وكومة من التراب. وخلفه تقع منطقة عازلة.

وكانت كتابات المقاتلين تغطي جدران المصانع. وكان ما تم إنقاذ من قطع معدنية مغمورًا في الزيت لنزع الصدأ وذلك لأن انخفاض قيمة الليرة يجعل استيراد غيرها باهظ التكلفة.

وقال المشرف ويدعى بشار عيسى: ”بدأنا العمل هنا من حوالي ستة أشهر. نحتاج عامًا آخرَ للعودة بالكامل“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com