محظورات في عصر بوتين.. هذه الأمور قد تقلب حياة من ينتهكها في روسيا رأسًا على عقب  

محظورات في عصر بوتين.. هذه الأمور قد تقلب حياة من ينتهكها في روسيا رأسًا على عقب  

المصدر: محمود صالح - إرم نيوز

الخيانة وعداء الدولة الروسية؛ هي اتهامات تُطلق مع غيرها تجاه كل من يبحث وينقب في التاريخ الروسي، فهو من المحرّمات التي تنقلب حياة من ينتهكها رأسًا على عقب.

فلاديمير ميليخوف، المدير السابق لمصنع في الاتحاد السوفييتي، نجا من التنافس الوحشي بين المؤسسات في التسعينات من أجل تحقيق ثروة في مجال البناء، وهو الآن يكرّس طاقته وماله لما أصبح في روسيا تحت نظام الرئيس فلاديمير بوتين، محفوفًا بالمخاطر، ألا وهو التنقيب في التاريخ الروسي.

أسسّ ميليخوف – وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية – متحفًا خاصًا لذكرى ”المقاومة المناهضة للحكم البلشفي“، وحاول التنقيب في موضوع محرّم؛ وهو لماذا رحّب العديد من القوزاق وغيرهم من مواطني الاتحاد السوفييتي المضطهد، على الأقل في البداية، بغزو هتلر للاتحاد السوفييتي في حزيران/ يونيو في العام 1941.

والمتحف، الذي يتكون من ثلاثة طوابق والذي بناه ميليخوف بنفسه على أرضه الخاصة في بودولسك، جنوب موسكو، لا يُمجّد النازيين، لكنّه أثار غضب السلطات لتركيزه على الاضطهاد بلا رحمة الذي أعقب الثورة الروسية البلشفية في العام 1917، والذي خلق أرضا خصبة لمناهضة للاتحاد السوفييتي خلال الحرب التي أودت بحياة 25 مليون مواطن.

وقال ميليخوف: ”ما لا يعجبهم حقًا هو أنني أجعل الناس يفكّرون فيما حدث في الماضي وما يحدث اليوم“.

ونتيجة لذلك، تم اتهامه على التلفزيون الرسمي للدولة على أنه خائن، وقام حرس الحدود الروسي بتشويه جواز سفره لمنعه من مغادرة البلاد، وواجه سلسلة من الاتهامات الجنائية التي تبدو ملفّقة.

الموضوع الحساس

وفي الأسبوع الماضي؛ اتهمت محكمة في بودولسك ميليخوف بحيازة أسلحة غير مشروعة، وحكمت عليه بالسجن مدة عام ”بتقييد الحرية“ وبعض القيود الأخرى على تحركاته.

عداء الدولة الروسية تجاه مليخوف هو مقياس لكيفية أن تاريخ الحرب العالمية الثانية، التي يُعرّفها الروس بأنها الحرب الوطنية العظمى، هو موضوع حساس للغاية، خاصة في الوقت الذي يشير فيه بوتين وحلفاؤه باستمرار إلى الصراع من أجل تحصين شرعيتهم، فهم يلقبون أنفسهم على أنهم الورثة الحقيقيون للوطنيين في زمن الحرب، ويهددون خصومهم باتهامهم بأنهم خونة يشبهون المتعاونين مع النازيين، مثل ألكسي أ. نافالني مروج بعض الحملات لمكافحة الفساد، الذي نظم احتجاجات على مستوى البلاد ضد الكرملين الأسبوع الماضي.

ومع تحول الشيوعية إلى رأسمالية، وضعف الثقة في الرأسمالية الليبرالية إلى حد كبير كبديل، أصبح نضال الاتحاد السوفييتي ضد النازيين حجر الزاوية الذي لا يمكن المساس به لأيديولوجية الدولة الجديدة التي بُنيت بتاريخ من التضحية والانضباط والوحدة الوطنية.

أسطورة محرمة على النقد

وقال سيرهي بلوخهي -أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد الذي ولد في سوريا- إن ”أسطورة الحرب الوطنية العظمى هي الأسطورة المؤسسة لروسيا المعاصرة بعد العام 1991“.

وأضاف أن ”كل ما يتحدى هذه الأسطورة، والتي تُعد انتصارًا للشعب الروسي الموحد على الغرب المعادي، أو يقدم ظلالاً رمادية في الصورة السوداء والبيضاء للمعركة بين الخير والشر، هو مرفوض ومهاجم“.

وميليخوف ليس الوحيد الذي تم استبعاده، فقد سبق وأن رفضت لجنة حكومية في موسكو مؤخرًا قرارًا من جانب الباحثين في سانت بطرسبرغ بمنح درجة الدكتوراه لكيريل ألكسندروف، واعتبرت رسالته بشأن لجنة تحرير شعوب روسيا غير وطنية.

ولجنة تحرير شعوب روسيا؛ هي جماعة أُنشئت في العام 1944 بدعم ألماني من أجل حشد المعارضة لنظام ستالين.

ويعتقد ميليخوف أن جريمته الرئيسة، فيما يتعلق بالمسؤولين، ليست مجرد تناول موضوع احتقار الخونة في متحفه في بودولسك، ومتحف آخر له بالقرب من مدينة روستوف-نا-دونو في جنوب روسيا، قائلا ”إن المشكلة الأكبر هي أن أي نقاش حول الخيارات التي قام بها الروس خلال الحرب، يقوّض جهود بوتين لحشد روسيا حول بطولات الماضي؛ وكراهيته للأعداء الداخليين والخارجيين؛ والذي يقول عنه الكرملين إنه أمر يحاصر البلاد“.

وقال ميليخوف إن ”الاتحاد السوفييتي انهار، لكنّ النظام السوفييتي في الحكم والتفكير مازال قائمًا، لقد كان هناك احتكار للسلطة السياسية، واحتكار للقوة الاقتصادية، واحتكار لوسائل الإعلام، واحتكار للمجتمع المدني.. واليوم؛ يتم وضع العناصر الأساسية لهذا النظام السوفييتي مرة أخرى في مكانها“.

وشملت الأدلة المقدمة ضد ميليخوف في محاكمته؛ حيازته لبندقية من القرن الـ19 ضمن مقتنيات المتحف، ومخبأ من الرصاص الذي لا يتماشى مع أي سلاح في حوزته، وقال ميليخوف ”إن المحققين قاموا بوضع هذه الأشياء في متحفه“.

وفي مقابلة أُجريت معه في بيته، الذي يحاط بسياج وبداخله مباني من الطوب وحدائق كثيفة، وبركة مياه بنيت فوق مستودع للقمامة منذ العصر السوفييتي قال: ”لقد صارعت ضد العديد من قُطّاع الطرق في التسعينات، لكن الآن الأمر أسوأ من ذلك، فلا يمكنك أن تقاتل ضد مسؤولينا“.

وإذا لم يكن ميليخوف (60 عامًا) مهتمًا بالتاريخ، لأصبح منسجمًا تمامًا مع رؤية الرئيس بوتين بشأن عودة روسيا ذات القيم التقليدية والوطنية.

تشويه الماضي

وميليخوف هو من سلالة القوزاق، الفرسان الذين حموا حدود الإمبراطورية الروسية، وأعضاؤها كانوا في طليعة المهام الوطنية المختلفة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في العام 1991، وهو أيضا مسيحي أرثوذكسي، وبني كنيسة خشبية جميلة بجوار منزله في بودولسك.

وقد أقنعت سنوات العمل في جمع وقراءة الكتب والوثائق القديمة ميليخوف بأن ما يحتفل به بوتين وحلفاؤه في الكنيسة الأرثوذكسية وغيرها من الأماكن على أنه التراث الروسي هو تشويه للماضي بشكل فاضح.

وقال إنه ”في حين ساعد بوتين في رفع الشكوك التي أحاطت القوزاق في العهد السوفييتي، الذين انحازوا في الغالب مع القوات المناهضة للبلشفية خلال الحرب الأهلية الروسية 1917-1922، إلا أنه نسي جوهر العقيدة القوزاقية“.

وقال ميليخوف إن ”أهم قيمة القوزاقي كانت دائما حريته الخاصة“. إن قراءة تاريخ القوزاق، الذي لا يزال العديد يربطه بالمذابح والوحشية ضد الإمبراطورية الروسية   الآخذة في التوسع تحت سلطة القيصر، ساعد ميليخوف على كسب دعم غير متوقع من الليبراليين الروس.

المقارنة الممنوعة

وقد عُزل أندري زوبوف، وهو مؤرخ ليبرالي، من منصبه في معهد موسكو المرموق بعد أن قارن بين استيلاء بوتين على القرم في أوكرانيا وضم هتلر للأراضي في العام 1939، وبهذه المقارنة وضع زوبوف نفسه على الفور في قائمة ”الخونة“ التي أعدتها أنصار بوتين.

وقال إنه ”من الواضح أن الشيوعية قد ماتت كأيديولوجية، ليس هناك شيوعية، لكن هناك طريقة تفكير سوفييتيّة، وهي شكل من أشكال الإمبريالية السوفييتية التي عاشت، والتي تريد السلطات حمايتها من الحقائق التاريخية“.

وقال زوبوف إن ”وصف شخص ما بالخائن أمرٌ يوقف كل النقاش، فالخائن هو عدو، وشيء فظيع، لكنّه أصبح وسيلة أخرى لسلطاتنا لاتهام شخص له وجهة نظر مختلفة“.

وهناك موقع على شبكة الانترنت يسمى predatel.net (أي الخائن) يضم قائمة من مثقفي موسكو وغيرهم الذين يُتهمون بأنهم خانوا بلدهم، ويدعو الموقع الزائرين إلى ملء استمارة و“اقتراح أسماء شخصيات خائنة“ لإضافتها إلى القائمة.

ولا يُعرف من يقف وراء هذا الموقع! لكنّ مهمته تنسجم مع رسالة تُروج بلا كلل من الكرملين ووسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة منذ الأزمة في أوكرانيا في العام 2014؛ وهي أن ”روسيا تحت التهديد من الداخل والخارج من قبل الأعداء الذين يجب فضحهم وهزيمتهم“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com