”الشيخ والوقائع الفاضحة“.. تعرية ساخرة لواقع المهمشين المر

”الشيخ والوقائع الفاضحة“.. تعرية ساخرة لواقع المهمشين المر

المصدر: نعمة عزالدين- إرم نيوز

منذ أيام قليلة، صدر للدكتور محسن الفرجاني، أستاذ الأدب الصيني بكلية الألسن، بجامعة عين شمس، وصاحب أكبر إسهام في ترجمة الثقافة الصينية والتعريف بها، الترجمة الأولى لقصص ليو هونغ، الصوت الفريد ــ بالغ الأهمية ــ في القص الصيني الراهن، وإن كنا نسبق الغرب ــ هذه المرة ــ إلى اكتشافه بعنوان ”الشيخ والوقائع الفاضحة“، عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

وعلى الرغم من أن الفرجاني، عكف طويلاً على ترجمة أمهات كتب التراث الصيني الخالد، إلى اللغة العربية، مثل ترجمته البديعة لكتاب ”الطاو“ و“كتاب الشعر القديم“ و“كتاب ليتزو“، و“فن الحرب عند سونبين“، إلا أنه اتجه إلى ترجمة العديد من الأعمال الأدبية الصينية الحديثة، منها: ”الثور والحلم“ و“الأوباش“، لمويان، أديب الصين الحائز على جائزة نوبل في الآداب، في دورتها الأخيرة، فضلًا عن إسهامه في تمثيل مصر، بالعديد من المؤتمرات العلمية، والندوات الأدبية في الصين، ومن بينها الندوتان الرابعة والخامسة لحوار الحضارات بين العرب والصين.

في البداية، يشير محسن الفرجاني، مترجم قصص ”الشيخ والوقائع الفاضحة“، في حوار خاص مع ”إرم نيوز“، إلى أن الروائي ليو هونغ، جاء من خلفية ريفية، فهو من مواليد 1933، ببلدة تشونغ تشينغ، بغرب الصين، وظهر إبداعه في زمن الثورة (بدأ كتابة القصة في 1952، أي قبل تخرجه في قسم اللغة الصينية، بجامعة سيشوان ببضع سنوات).

وأضاف الفرجاني: ”شهدت سنوات إبداعه الأولى، انتصار الثورة الاشتراكية بتأسيس الجمهورية، وهو الانتصار الذي شجع على المراجعة النقدية لمنجزات حركة الثقافة الجديدة، وتطرقت المناقشات ــ في بعض منها ــ إلى التنديد بمثالب الحركة، ومن بينها: انقطاعها عن الروح الثورية الأصلية في تقاليد الإبداع الصيني“.

وتابع: ”يبدو أن أسباباً للفوران احتشدت في تلك الأيام، وهيأت الآجواء للثورة الثقافية الكبرى، فانطلقت في عام 1966، وعاش ليوهونغ سنواتها العشر كاملة، وتقريبًا كان شاهد عيان على الكثير من التفاصيل التي تراكمت فيما بعد، لتكون ضمن فصول مجموعته القصصية الساخرة، وروايتيه الوحيدتين، ولقد اخترت للترجمة خمس قصص من مجموعته، البالغ عددها 13، ما بين القصة والرواية القصيرة، وهي: الشموع، الشيخ والوقائع الفاضحة، أتحدث إليكم من صالون الحلاقة، فان آبينغ والعنزة الحلوب وأخيرًا أنا البغل المشار إليه، وللأسف فليست هناك معالجات نقدية وافية لأعماله، رغم فوز روايتيه الوحيدتين بجوائز أدبية راقية منها رواية شقشقة البلابل بجائزة التميز في عام 1981، وأخرى بعنوان (ابنة الحجار الذي يعاقر الخمر) وفازت بجائزة الأدب الصيني في 1988“.

وعن الأسباب التي جعلته يختار ليو هونغ، لكي يقدمه للمرة الأولى للقارئ العربي، يشرح محسن الفرجاني قائلًا: ”أجيب، بأن أهم عنصر في اختياره يتعلق بطبيعة إبداعه، وبوضعيته ككاتب من جيل الفترة الجديدة، وبانتمائه إلى طائفة كتاب ما سمي ــ في الساحة الأدبية الصينية في منتصف ثمانينيات القرن العشرين ــ بأدب الجراح“.

وأردف: ”أهم من هذا كله، فثمة سبب جوهري يتصل بكونه أحد أولئك الذين عاشوا تجربة الثورة الثقافية، وأحد شهود عيان من جيل المثقفين في منتصف ستينيات القرن الماضي، ممن شاركوا في الأحداث، وصاروا جزءًا من أهم حلقات التاريخ الحديث في بلادهم، واستطاعوا فيما كتبوا من أجناس أدبية مختلفة أن يحفظوا للذاكرة الإنسانية، مدونات باقية تحتفظ بكثير من تفاصيل المشهد الذي لن يجد أي باحث أو مؤرخ أو مدقق أو مطلع أو أي قارئ في أي ركن من أركان العالم مصادر رسمية موثقة، تعطيه فكرة صريحة وواضحة، عما حدث في الصين إبان الفترة من 1966 إلى 1986، على وجة التحديد“.

تتناول أجواء المجموعة القصصية ”الشيخ والوقائع الفاضحة“، كما يقدمها الدكتور محسن الفرجاني، قائلًا: ”لا أبالغ إذا قلت إن هذه المجموعة للروائي الصيني الكبير ليو هونغ، هي كشف إبداعي لآليات وأشكال قهر الإنسان العادي، البسيط على يد نظام اجتماعي وأخلاقي شمولي فاسد وتعرية ــ بلا شعارات ــ لعذابات بسطاء هذا الزمان، بلا مليودراما أو عاطفية، بل بنبرة ساخرة متهكمة، تنتمي إلى الكوميديا السوداء التي تضرب بوعي وعمق في جسد المأساة الإنسانية“.

ربما حان الوقت لتأسيس مدرسة عربية للترجمة المباشرة عن اللغة الصينية، تتبع منهجًا صارمًا في الاختيار الدقيق والشامل لتطورات المشهد الإبداعي الصيني المعاصر كافة، فحسبما يرى الدكتور محسن الفرجاني: ”التعريف بأحوال الأدب الصيني وتقديمه إلى المكتبة العربية، يحتاج إلى تأصيل رؤية أو خطة أو منهج محدد، يحد من غلواء الانتقاء الفردي بتقديم الأعمال الصينية الحديثة والمعاصرة، وفق تصنيف بموضوعات الكتابة، أو أنساق الموضوعات الإبداعية في الرواية، والذي يمكن أن يقود إلى إنجاز بالتركم، ومن ثم يرسخ مسارات منهجية تقود إلى وعي بأصالة منجز ترجمي، خصوصًا أن مدرسة عربية في الترجمة عن الصينية لن تكون امتازت بالشيء الكثير، إذا ما اقتصرت على أفضلية النقل المباشر عن لغة الأصل وثقافته، ما دامت لم تؤسس أنساقًا أو أطرًا موضوعية لجهودها“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com