”ملكات سوريا“.. عرض مسرحي يجسد معاناة اللاجئات

”ملكات سوريا“.. عرض مسرحي يجسد معاناة اللاجئات

المصدر: إسماعيل الحلو- إرم نيوز

تؤدي 14 امرأة سورية هربن من بلدهن مسرحية بعنوان ”ملكات سوريا“ مقتبسة من المسرحية المناهضة للحرب ”نساء طروادة“ التي كتبت تقريباً عام 410 قبل الميلاد، وتعتبر أول عمل درامي يتحدث عن الحرب وضحاياها من النساء.

ويكمل العرض قريباً جولته في بريطانيا قبل أن ينتقل إلى المركز الوطني للثقافة والفنون في العاصمة الأردنية عمان  لمدة 3 أسابيع.

وقالت مها، وهي من السوريات اللواتي يمثلن في المسرحية ”قصة طروادة شبيهة جداً بقصة سوريا، بنسائها، أطفالها، والبلد المدمر، ولهذا حين تم عرض النص والمسرحية علينا كنا متحمسات جداً للمشاركة، لأننا عشنا التجربة الحقيقية لها. لم يبدو الأمر بأننا نحتاج لكتابة قصة جديدة كل ما حصل في طروادة تم توثيقه ولا يختلف عمّا حدث في سوريا“.

حبكت القصة من قبل ياسمين فضة صاحبة البرنامج الوثائقي الفائز بجوائز حول عملية مشابهة عام 2013، حيث تم الانتقال بسهولة من العمل الوثائقي إلى العملية العاطفية، بقصص حياة واقعية وكلمات هيكوبا أدروماش وجوقة نساء طروادة.

ومع كل هذه التغطية الإخبارية، الإحصائيات، والمدى الواسع للكارثة، فقد تحدث عمال الإغاثة فقط عن ”التعاطف الغربي الرحيم“. لكن ما يتحدث عنه هذا الإنتاج ينبع من القلب، وبطريقة لا تتيح للجمهور بأن يكون شاهداً على الأحداث فحسب، بل أيضاً أن ينخرط بمشاعره ويصارع الصعوبات، والتي تبدو مشاعر مستحيلة.

5

المشروع الأصلي الذي بدأ في عمان أواخر عام 2013 تم ابتكاره من قبل فريق بريطاني وسوري من منتجي المسرح وصحفيين، وتضمن التحضير 6 أسابيع من ورشات العمل الدرامية لصالح انجاز المسرحية. عمليات المعالجة الدرامية تضمنت بدورها توثيق وتوضيح قصص وتجارب حقيقية لهؤلاء النساء، ليس بهدف توصيل الصدمة النفسية، بل لإيصال صوت واضح خارج حدود مخيمات اللاجئين، بطريقة لا يتم تعميمها أو إسكاتها من قبل الصحافة.

هذه ليست أصوات المعلقين، السياسيين، الصحفيين. بل هي أصوات أمهات، بنات، أخوات، عمات وخالات وجدات، اللاتي تجاربهن مع الهرب من الحرب لا يمكن تخيلها. والأكثر أهمية من ذلك هو أن هؤلاء النسوة الـ14 تحدين الافتراضات عن النساء المسلمات وعن اللاجئين.

لن يكون من المنصف وصف الانتاج على أنه عمل مسرحي نقي –فهو احتفالية بالجراح (التي شفي بعضها، وبعضها لا)، المرارة، وايجاد طريقة للتعايش مع الصدمات كمجتمع نسائي.

يبدأ العرض نفسه بجوقة من ”نساء طروادة“ يتم التخاطب من خلالها مباشرة مع الجمهور من قبل جميع الممثلين وبانسجام. ترتيب المسرح والإضاءة صارخ وقوي، ما يسمح للمشاهد بالتركيز على الكلمات والممثلات بلا تشتيت. ويوفر صدى الصوت تلك الأحاسيس المشؤومة المستمرة، التي لها القدرة على هز كيّان أي تشكيل صخري قاس.

المسرحية ككل موجهة للجمهور عدا بعض اللحظات الحميمة بين الأصدقاء والأغاني التي تتخلل العرض. رغم ذلك يتم تذكير الجمهور (وهو أمر ليس بهذه الأهمية هنا) بأن الممثلين ليسوا هنا لإمتاعهم أو الغناء لهم. وهو أمر واضح مسبقاً، حيث في أحد العروض أصدر أحد الحاضرين صوتاً وهو يهم بفتح غلاف قطعة حلوى فنظر إليه الجميع بغضب. وقت العرض ليس مناسباً لأن تغفل عنه، أو تلاحقه أو تجمع المعلومات. الانتاج يجعلنا رهائن للعاطفة ويقوم بتعميدنا بالحزن وواقعية قصصه.

أما تلك اللحظة القصيرة الكوميدية فهي تفعل الكثير لخدمة التجربة. وفيها تتواجه ممثلتان، وبصوت واضح ونابض بالحياة تنقلان للجمهور تلك الأسئلة التافهة والعادية التي تكررت على اللاجئين ليتعرفها الجمهور. مثل: ”كيف تعيش كلاجئ؟“، ”هل تشتاق لبلدك؟“، ”كيف يعقل أنك تمتلك هاتفاً ذكياً؟“

من السيئ عدم وجود أوقات أكثر من مثل هذه الفكاهة التي لها القوة لتجعل الجمهور يعلم ويحب الممثلين، لكن ما هو أهم من ذلك، هذه اللحظة تفتح قلوب الجمهور للقبول بسكين المأساة أكثر فأكثر.

لقد قامت زوي لافيرتي بعمل مذهل في نقل هذه القصة إلى المسرح. وعملها مع الممثلين واضح. حيث الوقوف بقوة وعنفوان، عدم التحرك مطلقاً سوى للكلام، عقد اليدين فوق الحضن، حياد مسرحي يجعل الجمهور يسمع الحقيقة المجردة للمرأة. المهارة التي أبدتها الممثلات بأصواتهن، الحضور والحركة كانت كلها مؤثرة، أعطت العمل القوة، الكرامة والطاقة للكلمات وتذكر الجمهور لها معاً.

كل قصة تم أداؤها من قبل ممثلة ألقيت كرسالة، أحياناً بمساعدة الميكروفون. امرأة بمرحلة عالية من الإجهاد تصل من نقطة تفتيش إلى مستشفى فارغ. بعد أيام من هربها من المبنى الذي كانت تقطن به حين انفجرت سيارة مفخخة في الخارج، لكن كان عليها العودة مرة أخرى لجلب ابنتها الكبرى المنسية، لتجدها مصابة بالجروح تحت شظايا من الزجاج المحطم.

والخالة التي رفضت التصديق بأن الجثة المشوهة التي أمامها تعود بالتأكيد لابنها وتنكر ذلك بصوت عالٍ لكل من اجتمع في الجنازة، ما جعل الجميع يبكي. والمرأة التي أجبرت على مغادرة بلادها وأخذت معها ابريق الشاي الذي كان غالياً جداً عليها.

وبرغم القصص المروعة للحرب، من بينها يبرز الإلهام، كم هو أساسي حب المرء لوطنه وكم يمزق الفؤاد الابتعاد عنه. قد يكون من المريح الهرب مع كل العائلة بأمان لكن أن تلتفت للخلف وترى الوطن للمرة الآخر لهو أمر مؤلم. سوريا ”هي الزوج، هي الابن“ كما قالت إحداهن.

ووصفت امرأة أخرى بلادها على أنها لعبة يريد الجميع المشاركة بها لكن لا أحد يريد فتح ذراعيه لقبول الضحايا، إنما البحر كان الوحيد الذي استقبلهم بلا شروط.

وخلال واحدة من المقتطفات القصيرة للوثائقيات التي تخللت العرض المسرحي، امرأة تعبر عن السؤال البديهي: ”ما هو المغزى؟ ما الذي سيفعله المسرح أبداً؟“ وتجيب هي نفسها عن سؤالها بأن الغرب يحترم المسرح، لذا قد يكون هذا المكان الذي سنستمع فيه لهن. هذا صحيح. لقد استمع الجمهور بطرق مختلفة ولكن الأهم، بالإخلاص للهدف الرئيس للمسرح اليوناني القديم، حيث كان متنفساً،        ومكانا للجميع للحزن معاً. كان الجمهور يبكي كما النساء، اللواتي كن عمالاقات يقفن بقوة والرمال تنساب من أيديهن، ما زلن يحملن العالم معهن، ويحملن سوريا، ويحملن الأمل بأن بلادهن –كما هي حالهن- ستبقى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com