محمد عفيفي مطر.. الإنسان الذي كان شيخًا مستترًا (صور)

محمد عفيفي مطر.. الإنسان الذي كان شيخًا مستترًا (صور)

المصدر: سمية عبدالمنعم - إرم نيوز

كثيرة هي التفاصيل التي تقبع فوق مكتبه، فذلك قلم رصاص ما زال يحمل نبضات أنامله، وتلك قصاصة ورقية تضم قصيدة لم تكتمل، وعلى الجدار تسكن لوحة رائعة لأبواب القدس، وأخرى يزينها وجهه في مراحل عمرية مختلفة، وحول ذلك كله تتربع مكتبة متوسطة إلى الجدران، فوق رفوفها، يستند العديد من الكتب في علوم ومجالات شتى.

حياة الشيخ المستتر

من داخل منزل الشاعر، محمد عفيفي مطر، الذي رحل عنا منذ 7 سنوات، رصد موقع ”إرم نيوز“ جانبًا من تفاصيل حياة المبدع الإنسان أو ”الشيخ المستتر“، ذلك الشاعر الاستثنائي الذي رضي طويلاً بالإقصاء والتهميش ثمنًا لمعارضته.

ومن خلال الجلوس على مقعده والحديث إلى زوجته ورفيقة عمره، تعرفنا على حكايات من حياته تنشر لأول مرة من خلال رسائل خطية للسيدة نفيسة محمد قنديل، الناقدة الأدبية والمترجمة زوجة الشاعر محمد عفيفي مطر، وبزفرات وبسمات ولحظات أسى أحيانًا جاء حديثها.

”كان الأب بعد الأب والأخ بعد الأخ“، هكذا قالت، وابتسامة يغلفها الحزن تداعب وجهها، بينما شردت إلى سنوات بعيدة وتذكرت أيام خطبته لها وكيف تمت، عندما كان يتردد على أحد أبناء عمومتها في بيت ملاصق لبيتها، فرآها ذات يوم وتقدم لخطبتها.

رسائل نصية

غزت وجهها ابتسامة مشرقة وهي تتذكر تلك الرسائل التي كان يرسلها إلى المدينة الجامعية، حيث كانت تسكن وقت دراستها، وما كان يبثه لها عبرها من مشاعر وأحاسيس راقية.

غابت السيدة نفيسة للحظات لتعود ببعض تلك الرسائل، أوراق رغم الاعتناء بها فقد غلب الزمان على لونها ليحيله إلى الأصفر الباهت، أمسكتها بيديها وأمعنت النظر إلى كلمات خطت بيده، منذ ما يقارب الـ50 عامًا، كان لخطه نصيب من الجمال والرصانة، وهو خط كخطوط أغلب المبدعين صغير منمق.

رسائل كشفت عمق ما يحمله تجاهها، فها هو يبث حقيقة إحساسه نحوها في أول رسالة بينهما، حيث يقول: ”من بين جميع البشر أظمأ إليك ظمأً ملتهبًا قاسيًا، وأرجو بين يديك الحياة والتفتح، وأرجو أن أستقبل الموت ورأسي على ركبتيك، وصوتك آخر ما أحمله معي من زاد الأبدية“.

بينما يقول في أخرى: ”إن كل تجربة صداقة أو ألفة، وكل موقف من مواقفي، وكل كلمة قرأتها أو كتبتها، كل شيء كان يعلمني في نهاية الأمر كيف أحبك“.

ويقول الشاعر الراحل أيضًا ”لقد أصبحت حاضرةً معي، تقفين بيني وبين كل شيء، وكل شيء ينفذ إلي ملونًا بك ومضافًا إليه طعمك وعبيرك“.

كثيرة هي رسائله إليها المفعمة بالمشاعر الحقة، تطوي الأوراق في حرص وتعيدها مأمنها، لتكشف عن نيتها في رغبتها بجمعها في كتاب تنوي نشره، وهو ما يمثل لها حلمًا تسعى لتحقيقه، لتخلد من خلاله لحظات ومشاعر أبدًا لم تنته.

وعادت أرملة الأديب الراحل لتستطرد حديثها عنه، عن محمد عفيفي مطر الإنسان: ”كان شيخًا مستترا“، هكذا باغتتني، لتوضح الأمر ساردةً مواقف حدثت منه ومعه تؤكد ذلك، فقد كان لقلبه قبل عقله نصيب من علم الفلسفة الذي درسه وكان يدرّسه لتلاميذه، بل كان للتصوف أيضًا نصيب كبير، حيث كان يتبع منهج المتصوفة في تربية أبنائه الـ3، وهو ذلك المنهج القائم على النظرة دون توجيه أو تقييد.

تنبؤات

ومن مواقفه التي دلت على أن بداخله شيخًا مستترًا، تنبؤه بكثير من الأحداث الحياتية في شعره وأقواله، فقد كان دائمًا ما يردد على مسامع زوجته: ”أشفق عليك من المصير الأليم“، ليتم اعتقاله بعدها ويقاسي وتقاسي هي معه ويلات التجربة.

بينما قال في إحدى قصائده ”يا امرأةً أموت على محفتها الفقيرة“، وهو نفسه ما تحقق، فبعد مرضه أصر على أن يغادر المستشفى ليلقى ربه في بيته وعلى محفة زوجته.

أمنيات مستقبلية

وفيما غلفت اللقاء سحابة صمت ثقيلة، أجابت أرملة الفقيد عن سؤال حول ما يحمله قلبها من أمنيات وما تود تحقيقه وقد جاوزت الـ70 من عمرها، بأنها ”تتمنى لو أن ما تبقى من مكتبة زوجها الخاصة يضم إلى مكتبة الإسكندرية، بعد أن ضمت وزارة الثقافة بعضه في مكتبة عامة حملت اسمه في قريته“، وقد ظنت أن الأمر قريب التنفيذ، بعد أن وعدها إسماعيل سراج الدين المدير السابق لمكتبة الاسكندرية، بأن يتم إنشاء قسم يحمل اسم محمد عفيفي مطر بالمكتبة، إلا أن شيئًا من ذلك لم يتحقق.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com