مركز الفسطاط.. متحف الحرف المندثر وبوابة الحفاظ على التراث المصري (صور)

مركز الفسطاط.. متحف الحرف المندثر وبوابة الحفاظ على التراث المصري (صور)

المصدر: شروق إسماعيل– إرم نيوز

عند دخولك إلى مركز الفسطاط، الذي يحمل معالم أعرق العواصم المصرية القديمة، يتخللك شعور بالانفصال التام عن واقعك والعودة إلى الماضي العريق بكل ما يحمله من أمجاد وإبداع.

سلالم مزخرفة بالنقوش الملونة، ومنافذ مشغولة بالأرابيسك، وطرقات مفروشة بالخزف والأواني الفخارية، طريق واسع لمكان جمع كافة الحرف المصرية القديمة التي اندثرت واشتهر بها المصريون القدماء.

كل قطعة في المتحف تشدك بما فيها من جمال، مستلهمة روح العاصمة المصرية القاهرة العريقة، في منطقة لطالما عرفت بثرائها الحضاري قديماً، وهي منطقة الفسطاط.

”إرم نيوز“ تجوّل في هذا المكان والمعروف باسم ”مركز الحرف التقليدية“ بالفسطاط، ليستعرض تجربة فريدة ومميزة، قامت بها وزارة الثقافة المصرية بالحفاظ على الحرف اليدوية والتراث التقليدي المصري من الاندثار، ليكون المركز بمثابة إعادة إحياء الروح لهذه الصناعات، وتقديم منتجات تُبهر العالم أجمع ببراعتها وتفردها، في طريق العودة لمكانة مصر التراثية والتي أخذت في التلاشي مع مرور الزمن.

حلم صغير يتشكل بمرور السنوات

”بداية الفكرة كانت بسيطة، لكن المثابرة على الحفاظ على هذه النوعية من الصناعات النادرة، هو ما دفع الفنان وشيخ الحرفيين الراحل سعيد الصدر، لتأسيس بيت صغير للحفاظ على فن الزخرفة وتلك الحرفة القديمة“.

بهذه الكلمات افتتح أحمد وحيد، أخصائي الفن التشكيلي في المركز، حديثه مع ”إرم نيوز“، معطيًا نبذة بسيطة عن تاريخه، أما عن سر اختيار ”الصدر“ للفسطاط موقعاً للبيت، فأوضح وحيد أن ذلك الموقع انتشر فيه الحرفيون والصانعون المتخصصون في الخزف التقليدي، بكل تقنياته من التكوين والتشكيل القديم بالإضافة إلى التركيبات الطينية.

وأخذ الصدر يتشرب من هؤلاء صنعة الخزف ليشق طريقه نحو احتراف المهنة، ويقوم بدور كبير في الإبقاء على الصناعة بإنشائه بيت الزخارف في عام 1958، حيث لم تمنعه إمكانياته المحدودة من استمرار مشروعه، بل تمكن من المواصلة ببداية متواضعة، فقط فرن واحد صغير لحرق الخزف.

 

مرحلة التطوير

جاء عام 1995 ليكون انطلاقة لتوسعة مشروع ”الصدر“، على المستويين الشكل والمضمون، حيث قررت وزارة الثقافة آنذاك إعادة إنشاء المركز بتزويده بالمعدات اللازمة والأجهزة الحديثة، وتضمين كافة الحرف التقليدية الأخرى مع الخزف، ليتم افتتاحه بشكل رسمي عام 2001.

من هنا بزغت فكرة المشروع بشكل ملموس، حيث تم تجميع الحرفيين متمرسي الصناعات التقليدية التراثية، من نجارة عربية، خزف، خيامية، زجاج معشق في الجبس، نحت، تطعيم الصدف والقشرة، نسيج وفضة للعمل داخل المركز، للإبقاء على مثل تلك الحرف القديمة، ليكونوا موظفين دائمين في الوزارة.

وتشكل دور هؤلاء في العمل على منتجات تراثية في مثل جودة القديمة منها تماماً بشكلها المتعارف عليه، مع تعليم الجيل الجديد لتلك الحرف خشية اختفائها، والارتقاء بمستوى الصناعة بشمل عام.

 

محتويات المركز

واستقر المركز على شكله منذ افتتاحه حتى الآن، بانقاسمه إلى مبنيين أساسيين، الأول أكبر نسبياً والذي يضم كافة الصناعات الخزفية، نظراً لكثرة مراحل منتجاتها، بالإضافة لاحتوائه على متحف صغير ومنفذ للبيع.

أما القسم الثاني فيشمل باقي الصناعات الأخرى، من نول ونسيج ونجارة ومشغولات الفضة والنحاس وحلى، نظراً لأن جميعها لا يحتاج سوى لغرفة صغيرة لكل حرفة، حيث مراحل التصنيع أقل بكثير من مثيلاتها في الخزف.

 

 

تسويق المنتجات

تحدث ”وحيد“ لإرم نيوز، عن وقائع تجربة المركز المميزة، من خلال سنوات عدة قضاها في هذا المكان ليصبح مشرفاً عليه، يدرب العديد من الشباب من خريجي الفنون الجميلة داخل المركز، على بعض هذه الحرف، ليخرج بمنتجات مبهرة، يتم بيعها داخل منفذ البيع المخصص بالمركز.

وتحمل الصورة النمطية عن المنتجات التراثية بعض المفاهيم الخاطئة والتي صححها وحيد، لعل أبرزها صعوبة تسويق مثل تلك المنتجات. حيث أكد أن المكان نظراً لتبعيته لوزارة الثقافة المصرية، فإن ذلك يتيح توافر الإمكانات اللازمة لصناعة تلك المنتجات بالجودة المعروفة عنها، كما أنه يوجد منافذ عدة لبيعها اثنين منها في منطقة شارع المعز بمصر القديمة في القاهرة.

كما يشارك المركز بمنتجاته في أي مهرجان أو معرض للحرف التقليدية بشكل عام، سواء كان في داخل مصر أو خارجها، ولعل آخر مشاركاته -مثلما تحدث وحيد- كانت يوم الجمعة الماضي، حيث أقيم معرض للخزف الاستخدامي، أي للمنتجات التي يتم استعمالها في المنزل.

 

تجربة تحاكي العالم

مركز الفسطاط لا يهتم فقط بالحفاظ على التراث في الداخل المصري بل وخارجه أيضاً، وهو ما عبر عنه وحيد، بحديثه عن قيام المسؤولين عليه بتوقيع بروتوكول تعاون مع معهد ”الأمير تشارلز“ البريطاني للحرف التراثية، ليقدما منحة مجانية من أجل تعليم الطلاب فنون تلك الصناعات الحرفية، على شكل ورش عمل تدريبية أو دبلومة للدراسة لمدة عامين.

وفي نهاية زيارتك لمركز الفسطاط، سيتولد لديك إحساس بالفخر من وجود مثل هذه التجارب، التي تحاول إعادة الصناعات الحرفية القديمة لسابق عهدها، ناقلة ثقافة المنتج اليدوي في مصر وخارجها، في وقت أغرقت فيه الأسواق بمنتجات أخرى، سحبت البساط من الصناعات التراثية التي لطالما امتازت بها الشعوب العربية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com