”المسيحي“ في الرواية المصرية.. شريك في الوطن ورفيق في الحياة وبشر يخطئ

”المسيحي“ في الرواية المصرية.. شريك في الوطن ورفيق في الحياة وبشر يخطئ

المصدر: نعمة عزالدين- إرم نيوز

ربما لا يوجد مشهد روائي في بلد ما، احتفى بالآخر المختلف عنه دينيًا، كأدباء مصر ونقادها، فنظرة سريعة لعشرات الروايات والقصص القصيرة، تكشف دون زيف أو تصنع، حجم العلاقة الوطيدة بين المسلم والمسيحي المصري، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك السرديات الروائية المتعددة، اعترفت ومنذ اللحظة الأولى، بأن تلك الشخصيات المسيحية الوارد ذكرها على الورق، ليست محض خيال مفتعل، بل هم شركاء في ذكريات الطفولة وحصص المدرسة، ورفقاء حياة الجامعة والوظيفة، وقبل كل شيء يخطئون ويصيبون شأنهم في ذلك كالأدباء المسلمين الذين كتبوا عنهم.

البداية مع الروائي نجيب محفوظ، إذ أخذ اسمه من الطبيب المسيحي نجيب، الذي أنقذ الأم والمولود جراء الولادة المتعسرة، ففي روايته الشهيرة السكرية، وعلى لسان كمال ابن ”سي السيد“، أقرب الشخصيات إلى طبيعة الأديب الراحل ذاته، يقول: ”لا تؤاخذني، فقد عشت حتى الآن دون أن أصطدم بمشكلة العنصرية، فمنذ البدء لقنتني أمي أن أحب الجميع ثم شببت في جو ثورة 1919 المطهرة من شوائب التعصب فلم أعرف هذه المشكلة“.

يتأثر ربما دون وعي مسبق، الكاتب المصري، بقراءته العميقة وفهمه المتسامح للتوراة والإنجيل؛ ما انعكس وبوضوح على إبداعه.

ففي قصته القصيرة البارمان، من مجموعة ”خمارة القط الأسود“، نجد البارمان اليوناني فاسيليادس يحدث الراوي عما وراء الموت، فيقول: ”إذا جاء الموت أعقبته سعادة كبرى، ألا يشبه الظلام الذي أتيت منه، الظلام الذي ستذهب إليه بعد عمر طويل؟، وقد أمكن أن يخرج من الظلام الأول حياة، فما يمنع من أن تستمر الحياة في الظلام الثاني؟!“، وهنا يصيح الراوي وهو ثمل: ”برافو فاسيليادس يا صوت القديسين“.

أما أجمل التجسيد الروائي، الذي عبر عن تلك الحيرة في نفس الطفل المسلم، تجاه صديقه المسيحي الذي يشاركه سرير المدرسة، ولا يعرف لماذا هو مختلف عنه حينما تجيء حصة الدين، كانت في قصته جنة الأطفال، وعلى لسان طفلة، نقرأ هذا الحوار بينها وبين أبيها: فتقول: ”أنا وصاحبتي نادية دائمًا مع بعض… ولكن في درس الدين أدخل أنا في حجرة، وتدخل هي في حجرة أخرى“، الأب: ”لأنك أنت مسلمة وهي مسيحية“، الطفلة: ”من أحسن؟“، الأب: ”هذه حسنة وتلك حسنة“، ولكن الطفلة تسأل لماذا لا يمكن أن تكون مثل صديقتها، فيقول الأب: ”أنت تعرفين الموضة… وكونك مسلمة هو آخر موضة، لذلك يجب أن تبقي مسلمة“. فترد الطفلة: ”هل أقول لها أنها موضة قديمة؟“، وتستمر الابنة في تساؤلها: ”أين يعيش الله؟“، الأب: ”في السماء“، الطفلة: ”ولكن نادية قالت لي إنه عاش على الأرض… وأن الناس قتلوه“، الأب: ”كلا يا حبيبتي، ظنوا أنهم قتلوه“، ويكشف لنا نجيب محفوظ بوضوح شديد، عن موقفه الرافض للتعصب ضد المسيحيين.

من الروايات الهامة التي امتلكت أجزاءً كبيرة من حقيقة نفسية المسيحي المصري الممتلئة بالهواجس والأحلام والمخاوف أيضًا، كانت رواية الروائي المصري صنع الله إبراهيم، ”شرف“، حيث يجد الناقد مصطفى بيومي، أن شخصية الصيدلاني رمزي بطرس نصيف، في الرواية، المتورط في الفساد، لأنه يرفض الانصياع لقوانينه ويتمرد على مساراته، يجمع بين الروح اليسارية التقدمية والانتماء الرأسمالي.

بفضل هذه الثنائية اللافتة، تكتسب شهادته خصوصيتها وتفردها، فضلًا عن شهادة لا تقل أهمية، تجمع بين الذاتي والموضوعي، عن تدهور أوضاع المسيحيين المصريين، دون نظر إلى أنه ليس متدينًا.

ولكنه مع ذلك، يكشف عن التجربة المريرة لأغنياء المسيحيين في الستينيات من القرن الماضي، أثناء حكم الرئيس المصري جمال عبدالناصر، وهي تجربة لا ينجو منها أغنياء المسلمين.

يتذكر الدكتور رمزي بطرس نصيف، أن الدعاء لعبدالناصر كان أقرب إلى الشعائر الرسمية في الصلوات الكنسية، لكن هذه الأدعية لا تخفي التحفظ المسيحي العام تجاه ثورة الـ 23 من يوليو: ”الأسباب عديدة، منها أن كثيرين منهم كانوا منضمين إلى الأحزاب السياسية التي ألغاها وحرمها، كما أن مجلس قيادة الثورة لم يكن به قبطي واحد“.

الدكتور رمزي ليس ناصريًا، وهو – في الوقت نفسه – ليس من المسرفين في التحامل على التجربة الناصرية، وأكثر ما يأخذه على الرئيس عبدالناصر، هو فشله في تقديم علاج جذري لما يعانيه المسيحيون، فشل أدى في مراحل تالية إلى مزيد من الانتكاسات والأزمات.

”عبدالناصر كان مهتمًا ببناء دولة عصرية، وكانت أمامه فرصة ذهبية للقضاء على التمييز بين المسلمين والمسيحيين، لكنه لم يفعل، بناء الكنائس مقيد بقانون يعود إلى أيام الخلافة العثمانية، مادة التاريخ في المدارس تتجاهل الحضارة القبطية، أي مسلم الأبواب مفتوحة أمامه ليصبح وزيرًا أو سفيرًا أو محافظًا أو حتى مأمور مركز، بينما هناك قانون غير مكتوب يضع القيود في وجه الأقباط، مثلاً بالنسبة لدخول كليات بعينها مثل: الشرطة والكليات العسكرية، ثم مدارس المعلمين، ومع ذلك يُقال إن هناك مساواة وإن مصر بلد التسامح.. إلخ“.

يعلق الناقد مصطفى بيومي، على الفقرة السابقة، قائلاً: “ أوراق الدكتور رمزي بطرس، المسيحي غير المتدين ذي الاتجاه العقلاني والمشاعر الوطنية الفياضة، تلقي الضوء الساطع على عديد من القضايا الشائكة القابعة في الأعماق المسيحية“.

تأتي فكرة الصداقة بين القبطي والمسلم في صداقة المقدس دميان، والشيخ مجد الدين، في رواية ”لا أحد ينام في الإسكندرية“، لإبراهيم عبدالمجيد، وهو ما يتضح أيضًا في رواية نعيم صبري ”شبرا“، ورواية ”ترابها زعفران“ للخراط، إذ تتجلى فيها العائلة القبطية متماهية في ذوات العائلات المصرية الأخرى في الأحلام البسيطة والأزمات المالية المشتركة، وحتى أوقات المصيف والضحكات الصافية للرجال مسيحيين ومسلمين في المقاهى وعلى مكاتب الوظيفة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com