مجلة “الشارقة الثقافية”.. خطوة جريئة تتحدى النشر الإلكتروني وشبح “التوقف”

مجلة “الشارقة الثقافية”.. خطوة جريئة تتحدى النشر الإلكتروني وشبح “التوقف”

في خطوة جادة وجريئة، ورغبة حقيقية لإطلاق رافد جديد للإبداع الفكري والثقافي في عالمنا العربي، تكون مهمته رصد وتحليل ومتابعة مستجدات المشهد الثقافي في شتى تجلياته الشعرية والروائية والتشكيلية، تم تدشين العدد الأول من مجلة “الشارقة الثقافية”، ضمن فعاليات معرض الشارقة للكتاب المقام حاليًا.

المجلة تؤكد في افتتاحية عددها الأول، أن الثقافة لا زالت تشكل طوق نجاة لأمة سطرت ذات يوم مجدها الأدبي والفكري بالرؤى والأفكار الذهبية، على الرغم من الظروف التي ألمت بها، وظلت تراهن في كل منعطف ومأزق على العقول التي تشبعت بالإرث الحضاري والإنساني، وما الرهان على الثقافة في ظل التحولات والتغييرات، إلا دليل على التشبث بالهوية والتاريخ والتراث، للعبور إلى غد خال من الجهل والأمية والتخلف.

صدور مجلة الشارقة الثقافية، ذات الطابع الورقي، يعد تحديًا كبيرًا ومغامرة فكرية، في ظل الانتشار الرهيب للنشر الإلكتروني، وتوقف عدد من أشهر المجلات الثقافية العربية الهامة في السنوات الأخيرة، تأتي في مقدمتها مجلة دبي الثقافية، التي جاء توقفها مفاجأة مدوية للحياة الثقافية العربية، إذ عبر عدد غير قليل من المفكرين والمثقفين والشعراء، عن حزنهم لتوقف تلك المطبوعة الثقافية الجميلة، وإغلاق “دار الصدى للصحافة والنشر” التي تصدرها منذ أكثر من 17 عامًا، جمعت على صفحاتها كوكبة من أهم المبدعين والمفكرين والنقاد في هذا الزمان، وفي مقدمتهم: “أدونيس، أحمد عبدالمعطي حجازي، جابر عصفور، محمد صابر عرب، إبراهيم الكوني، عبدالعزيز المقالح، محمد عبدالمطلب، فريدة النقاش، واسيني الأعرج، عبدالسلام المسدي،.. وغيرهم.. وغيرهم”.

لينتهي الحلم في ليلة وضحاها، ويتلاشى هذا المشروع الثقافي الكبير طيلة سنوات، كانت فيها مجلة “دبي الثقافية” بصمة خضراء في المشهد الثقافي العربي، وأغنية جميلة سيتردد صداها في الذاكرة إلى الأبد.

أيضًا من بين المجلات الثقافية العربية التي لا ينساها القارئ العربي، ولكنها لاقت المصير نفسه من التوقف خلال السنوات العشرين عامًا الأخيرة، مجلة “آفاق عربية”، التي توقفت منذ 2003، ثم ظهرت قبل عامين بدلًا منها مجلة “آفاق أدبية”.

وفي عام 2004، كان هناك شكوى للمرحوم الدكتور سهيل إدريس وابنه سماح، من الضائقة المالية التي كانت تهدد بتوقف مجلة «الآداب» التي أصدرها الأب، قبل نحو سبعين عاماً، فعملا آنذاك على ضخ تبرعات وإعانات لها لإطالة عمرها، من خلال حملة دعائية واسعة.

وشرح سماح إدريس رئيس تحرير «الآداب»، في عددها الأخير الذي وُزّع في المكتبات اللبنانية، أسباب توقف المجلة عن الصدور، قائلًا إن القرار اُتخذ تحت وطأة ظروف مختلفة، منها الخسائر المادية وتراجع عدد قرائها، ولكن التمويل لم يكن وحده وراء القرار، فالمجلة كانت خاسرة على نحو شبه متواصل، وهي قلما ربحت أو غطّت كلفة إنتاجها طوال أكثر من ثلاثة أرباع عمرها.

وطرح إدريس وقتها أسئلة تتصل بتجربة «الآداب» وبمستقبل المجلة الثقافية الورقية العربية، فهل تستطيع هذه المجلة أن تصدر مستقلة حرّة ومشاكسة وغاضبة ثم تمرّ بلا عقاب إلى جمهور القراء في العالم العربي؟، هل تستطيع أن تنافس الملاحق الثقافية التي تصدر مع كل جريدة يومية تقريباً، أو تنافس مجلات وزارات الثقافة والإعلام العربية التي تكرّس أموالاً طائلة لاستقطاب الأسماء الكبيرة من كتّاب ورسّامين ومخرجين؟، وهل تستطيع جذب المواطن العربي بعيداً عن التلفزيون وفيسبوك وتويتر؟، وإن لم يكن للمجلة المستقلة من حليف في أوساط الناس، فكيف ستصمد وكيف ستواجه وكيف ستزداد انتشارًا، وكيف ستتطور مادةً وتصميماً ورؤية استشرافية؟.

تزامن ذلك، حينها، مع إعلان الناقد الكبير المرحوم محمد دكروب، عن توقف مجلة «الطريق»، مؤقتاً، لكن مجلة «الآداب» نفسها سرعان ما أعلنت عن توقف صدورها، بعد سنوات من المحاولات المضنية للصمود والاستمرارية في النشر.

أما خارج العالم العربي، فقد حاول عدد من المثقفين العرب فتح نوافذ فكرية عربية في العاصمة البريطانية “لندن”، فصدرت مجلات بارزة ولكنها قصيرة العمر ومنها “الناقد”، التي صدرت عام 1988 تحت شعار “شهرية تعني بإبداع الكاتب وحرية الكتاب”، وترأس تحريرها رياض نجيب الريس ومجلة “الكاتبة” التي صدرت عام 1993 برئاسة تحرير الشاعر السوري نوري الجراح، وحملت شعار “مغامرة المرأة في الكتابة”.

وفي عام 1990، وعلى غرار جماعة شعر التي تأسست في الستينيات من القرن الماضي، وأصدرت مجلة “شعر”، تأسست جماعة أطلقت على نفسها “ألف”، استطاعت أن تؤسس لشكل جديد في الكتابة الإبداعية، وتقوم بإصدار العدد الأول، الذي استقبل بحفاوة من جانب القراء.

وتتابعت الأعداد وصارت “ألف” مجلة على كل لسان، ووصلت إلى معظم الأقطار العربية، وتابعها القراء بشغف وترقب، إلا أنها توقفت عن الصدور، والمحزن في الأمر ليس فقط توقف هذه النافذة الإبداعية الشابة والوليدة في ذلك الوقت، فتبادل البعض الاتهامات عقب التوقف، وصار كل منهم يشن حربًا شعواء على الآخرين، ويدعي تأسيس المجلة لنفسه، نافيًا جهد البقية.

لتعود وبعد مرور سنوات طويلة، على استحياء كموقع ثقافي إلكتروني، يقدم الثقافة على شاشة مضيئة وليست مدونة على الورق المطبوع، الذي طالما تربيت على الإمساك به وقراءته بحميمية أجيال عربية، وكان لهذا الورق المطبوع على شكل مجلة ثقافية الفضل في شهرة مئات الشعراء والأدباء والمفكرين، بطول العالم العربي من المحيط إلى الخليج.