ثقافة

في ذكرى اغتياله.. كيف تمثلت حركة الوعي عند غسان كنفاني؟
تاريخ النشر: 08 يوليو 2020 12:14 GMT
تاريخ التحديث: 08 يوليو 2020 14:45 GMT

في ذكرى اغتياله.. كيف تمثلت حركة الوعي عند غسان كنفاني؟

يعد رحيل المفكر والأديب الفلسطيني غسان كنفاني (1936 - 1972)، خسارة كبيرة على صعيد الأدب والفكر العربي، ورغم مرور نحو نصف قرن على اغتياله من قِبل الموساد

+A -A
المصدر: حسام معروف – إرم نيوز

يعد رحيل المفكر والأديب الفلسطيني غسان كنفاني (1936 – 1972)، خسارة كبيرة على صعيد الأدب والفكر العربي، ورغم مرور نحو نصف قرن على اغتياله من قِبل الموساد الإسرائيلي، إلا أنه لا يزال يتمتع بجماهيرية واسعة في الفكر العربي والفلسطيني، من خلال أدبه وكتاباته، التي كان من أبرزها عائد إلى حيفا، ورجال في الشمس، والشيء الآخر، وأم سعد، وما تبقى لكم.

لم يكن غسان كنفاني أديبا أو صحفيا أو معلما أو سياسيا فحسب، بل كان خليطا من هذا كله قادرا على الاشتباك بفكرته مع كافة التيارات الإنسانية الممثلة لتطور الحياة.

وبما أن الإنسانية لا تتصالح مع أي من مفاهيم العبودية والذل، فقد مشى كنفاني مثل الضوء في وعي كافة الفلسطينيين والعرب، بأفكاره الملامسة للحواس التي هدمت جدران الخوف العربي.

لقد ارتكز ”كنفاني“ على بنية اجتماعية ثورية خاصة، مكنته من التواصل مع أي مشروع عالمي يسعى إلى التحرر والانتصار على الظلم. فلم تكن فكرته تدور في حلقة المحلية، بل كانت فكرة إنسانية وعالمية شاملة، ولطالما توسعت حياته بفضل حركة الوعي لديه، وامتدت لغته وأفكاره مترجمة للغات أخرى، يتمسك بها كل من علق بِشِباك مأساته، كطريق وطريقة لإعادة إنتاج الحرية، واستخراجها من قبرها.

2020-07-3IicM

ولم يكتب غسان من برجه العاجي، فقد عاش تجربة التشريد والتغريبة المأساوية عن وطنه، فلم يغب عن ذهنه مشهد إحالة الإنسان إلى حجارة متيبسة، بفعل احتلال فرض على شعبٍ الخروج وترك خزانات الذاكرة حتى دون وداعها.

ذاكرته تلك هي خزانات الناس جميعا، تعرفوا من خلالها على ما تركوه هروبا بخوفهم، فانتشل لهم كنفاني ما اشتاقوا إليه عودة مؤقتة، على سطح الذاكرة، ومن بعدها عرّفهم درب احتضان كل ذلك، بمواجهة الاحتلال واستعادة حياتهم، تلك الحالة من النوستاليجا، كانت لغة وفكرة كنفاني مشبعة بها.

كما أعاد للشعوب ما نسوه بفعل دوائر الوقت، أعاد لهم قيم إنسانية لا يمكن لها أن تكتمل دون وطن حر، كتب كنفاني، إن ”سلاحنا الوحيد الذي نستطيع به خوض المعركة، ليس هو الكلاشنيكوف أو الدوشكا، فذلك سيجعل منا جيشا عربيا 15، لا يختلف عن الجيوش الـ14 إلا بأنه أضعف من أكثرها ضعفا“.

وقال: ”إن سلاحنا أمام العدو الهائل والقوي والمطلق التفوّق هو الجماهير، وبالطبع إن هذه الجماهير ليست كلمة سحرية، وقوتها ليست في تراكمها الكمي، ولكن في التنظيم، أي الحزب والحزب الجماهيري المقاتل، هذه ليست جمعية خيرية، ولا نادي شعراء حماسيين، لكنه الحزب المحكوم بفكر وبرنامج وقيادة القوى الأطول نفسا في المعركة، والأقل احتمالا للسقوط في التعب عند الضربة الأولى أو الثانية والمنظم تنظيما حديديا على ذلك البرنامج“.

2020-07-3-36

الثقافة الميتة 

ولما كانت القدرة التأسيسية لدى كنفاني بارزة، فقد كان من السهل عليه توصيل رؤيته، بلغة بسيطة وسهلة، رغم أنها امتلكت شفافية الشعر، لكنها لم تكن يوما إلا امتدادا لحركة الوعي الماثلة في عقله، وكانت تراكما حسيا يتم بثه للشعوب، من خلال الإمساك بحسية الفكرة، فقال لتلاميذه إن ”الفكرة النبيلة لا تحتاج غالبا إلى الفهم، بل تحتاج إلى الإحساس“.

وعن المثقف، فلقد دأب على المطالبة بضرورة أن تكون الثقافة قيمة لا انزوائية ولا ترف فيها. وصارع من أجل إبراز المعضلة التاريخية لشعب محتل، فكتب وقاد ونظر وعمل، في مرحلة هامة في تاريخ الضياع الفلسطيني.

وحول ذلك أفاد بأن، ”المثقف هو الإنسان الذي يضع نظرة شاملة لتغيير المجتمع، المثقف الحقيقي لا يرضى بالأفكار السائدة، ولا بد من تحرير الإرادة والعقول أولا لتحرير الأرض“، ولطالما أشعل شرارة المقاومة عند الشعوب، قائلا ”لا تمت قبل أن تكون ندا“.

ما كان كنفاني في يوم من الأيام، رغم قسوة تجربته منهزما، بل كان يُقلّب طين غرسه لتكبر فكرته، ومن ثم تقود، لقد عمل الأديب الفلسطيني على ردم حُفر الحياة في وجه جيل تشبع بالخيبة، وأثار فيهم حنكة التقاط صوت الحياة الحقيقي، ألا وهو المثابرة ودوام المحاولة.

2020-07-gassan

فكتب كنفاني: ”لقد حاولت منذ البدء أن أستبدل الوطن بالعمل ثم بالعائلة ثم بالكلمة، ثم بالعنف ثم بالمرأة، وكان دائما يعوزني الانتساب الحقيقي، ذلك أن الانتساب الذي يهتف بنا حين نصحو في الصباح، ”لك شيء في هذا العالم فقم، أعرفته؟“ وكان الاحتيال يتهاوى، فقد كنت أريد أرضا ثابتة أقف فوقها، ونحن نستطيع أن نخدع كل شيء ما عدا أقدامنا، إننا لا نستطيع أن نقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشة معلقة بالهواء، سأظل أناضل لاسترجاعه لأنه حقي وماضيّ ومستقبلي الوحيد، لأن لي فيه شجرة وغيمة وظلًّا وشمسا تتوقد وغيوما تمطر الخصب، وجذورا تستعصي على القلع“.

وعن الموت الذي أجاد كنفاني البقاء من بَعده، وتمكن على طريقة محمود درويش، أن يتحول إلى فن بكامل ملامحه، هازما خط الموت ومحيلًا إياه إلى فكرة من بين أفكاره. وكما دعا الشعوب للاستمرار، كان هو أيضًا، منتميا لقناعته، واستمر حتى بعد موته.

وهنا قال الكاتب الفلسطيني الراحل: ”ليس المهمّ أن يموت أحدنا، المهمّ أن تستمرّوا“ وسخر بطريقة لماحة من الموت، وبطريقته التأملية، وقدرته على الربط، فقال ”الغزلان تحبّ أن تموت عند أهلها والصقور لا يهمها أين تموت“، كما وجرّد الموت السلبي من قيمته، فقال إن ”الموت السلبي للمقهورين والمظلومين مجرّد انتحار وهروب وخيبة وفشل“، كما لم يترك الموت دون أن يضع مضادًا لسطوته فكتب ”الثورة هي وحدها المؤهلة لاستقطاب الموت، الثورة وحدها هي التي توجه الموت، وتستخدمه لتشقّ سبل الحياة“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك