الشكلانية في النقد.. وأدوات العصر الحديث

الشكلانية في النقد.. وأدوات العصر الحديث

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

في منتصف العقد الأول من القرن الماضي، دعت المدرسة الشكلية الروسية في النقد إلى آلية جديدة في التعامل مع النص الأدبي. وانطلقت الشكلانية حينما نادت جماعة أوبوجاز“opojaz“ إلى دراسةٍ ونقدٍ مغاير للأدب، بأن يتم التحكيم الخاص بالنص المقدم، وفقًا للشكل الفني الداخلي الخالص، بما يعني تجاوز كافة المعايير الموضوعة مسبقًا للنقد، بما فيها روابط الأثر الأدبي التاريخية، والدينية، والنفسية والاجتماعية.

 

دال ومدلول

وتمتد أصول الشكلانية إلى مدرسة جنيف التي أسسها عالم اللغة ”فيرنانديد سوسيور“ وهو من وضع حجر البناء الأول في النظرية البنيوية، بعدما رسخ مبادئ اللسانية.

وإن الجوهر الذي تقوم عليه اللسانية هو أن يتم دراسة اللغة آنيًا، لا تاريخيًا، على اعتبار أنها نظامًا مستقلًا، غير منعزل، ولا يتحتم ربطه بالتاريخ، لكن يرتبط بسياقه الخاص، من خلال الدال والمدلول، كعناصر فنية تتأرجح تبعًا للمعنى.

 

استقلالية لا نفي

ومن أبرز رواد الشكلانية شلوفسكي، الذي دعا إلى تخليص الفن من أعباء الحياة، والتركيز في بنيته الفنية، وملاحقة الأسس الداخلية للمنتج، على عكس ما كانت تدعو إليه الرمزية وقتها، من وضع تصور رمزي تمتد ذيوله إلى أبعاد متعلقة ببيئة المبدع، وسياق العمل التاريخي، والأيديولوجي، والنفسي. كما تعرض جاكبسون وهو من رواد الشكلية إلى فكرة العثور على الشعر، وقال: ”نشعر بشعرية النص عندما نحس بالكلمة ككلمة، لا كبديل لشيء، أو تفجير لانفعال، عندما لا تقتصر الكلمات بتركيبها ودلالتها بشكلها الداخلي وشكلها الخارجي، على كونها علامات مطابقة للحقيقة، بل تكتسب وزنها الخاص وقيمتها الخاصة“. ودعا جاكبسون إلى استقلالية الأدب، لا نفيه، فهو لا يشرح بمصطلحات من مجالات شاسعة البعد عنه.

 

ماهو داخل التركيب

وبدأت الشكلانية بخط خطاها، بعد حلقة ”براغ“، التي ألقاها سوسيور، وأوضحت كجماعة نقدية بأن ”العمل الأدبي مستقل لا تحدده إلا علاقاته الداخلية، ولا يمكن البحث عن أدبيته، خارج نطاقها اللغوي، لأنه بمجرد تكوينه يتحرر من خارجه، ويستقل بكيانه الجديد، بينما لا ينعزل عن محيطه“. وقد ألمحت الشكلية إلى قيمة لغوية ذاع صيتها بين النقاد الغرب والعرب من بعدها، ألا وهي: ”إن الكلمة تكتسب قيمتها داخل التركيب“. ويعد عبدالقادر الجرجاني من أبرز النقاد العرب الذين تعاطوا مع الشكلية، حين خرج بنظرية النظم من بعدها.

 

جرف الجذر بترابه

ومع صيحات التطور في كافة أدوات صياغة الأشياء في العصر الحالي، صار العالم كله مساحة مفتوحة، كعامل خارجي حول النص الأدبي، وكبيئة محيطة بالنص أو الأثر الفني؛ وذلك بفعل تطور وسائل الاتصال، وسرعة تناقل المعرفة بما ترتكز عليه من أدوات كالكتب، والمجلات، والفيديوهات المصورة، وغيرها. وصار بإمكان المبدع التواصل بشكل مستمر مع الآخر، على عكس ما كان سابقًا، من انحسار له، وسط البيئة التي عاش فيها، في ظل نقص فرص التنقل، والنقل. كما وجعلت وسائل التواصل الحديثة العالم غرفة واحدة، بحيث لا غرابة في الأحداث، أو في السياق الاجتماعي الذي تحياه المجتمعات. وهو ما جعل فكرة ضبابية منشأ النص، أمرًا شبه متلاشٍ، فما شرعه الكلاسيكيون، والرمزيون، والواقعيون، من أدوات، وآليات لنقد الأثر الإبداعي، كان بهدف جرف الجذر بترابه، من أجل نقل الشتلة بكل ما فيها.

 

صوت وإيقاع

إن صيرورة التناقل المعرفي، بشكلها الحالي، بما فيها من نقل للتجارب، بل ومعايشتها من بعد، أوجدت طريقة سلسة لإنتاج عمل لا يكون من الحتمي على الناقد أن يقرأ سياقه التاريخي، والنفسي، بل كل ما يحتاجه هو التأمل في بنية النص الفنية، وقراءة رموز الصوت والإيقاع، والخيال، والبعد الموسيقي الداخلي، والإيحاء المخفي تحت الكلمات، بما يتيحه المعنى من بذور. وهو ما يحيل إلى أن المنهج الشكلاني، أوجد نافذة نقدية، بانفتاحية مهولة على جمالية النص الأدبي الخالصة، تلك النافذة على الرغم من إغلاقها من قبل الماركسيين، بعد أن هبت الثورة الماركسية عام 1917، بحجة عدم الانخراط الشكلاني مع متطلبات الثورة وقتها، إلا أن رؤى الشكلانيين صارت في العصر الحديث، إحدى الوسائل الحيوية للتعامل مع المنجز الأدبي.

 

مثير واستجابة

ومن وسائل النقد المعاصرة والتي يتم تداولها في المدار النقدي الما بعد حداثي، وفي وقتنا المعاصر، هو ما دعا إليه ”بلومفيلد“المؤسس للبنيوية في أمريكا، باتباع ”الاستجابة للمثير“بين خلايا النص. ومن وجهة نظره: ”فإن أي سلوك، هو رد فعل يحدث بوصفه استجابة لمثير خاص“. واتسمت البنيوية الأمريكية بدراستها للجانب الموضوعي للنص، وفحصه بعيدًا عن الذاتية، ووضعت بنهجها حدًا للمعيارية التي تحكم النص، طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com