الصالونات الثقافية العربية.. أزمة المحتوى وضمانات الاستمرار

الصالونات الثقافية العربية.. أزمة المحتوى وضمانات الاستمرار

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يعد الصالون الثقافي مكانًا لاجتماع العقول، وتبرز قيمته كأداة للتواصل بين المفكرين والأدباء والفنانين، حيث الاتفاق أو الاختلاف، واستخدام الكتب والمعرفة والحوار، كطرق يمكن من خلالها التفكير في مختلف جوانب الوجود الإنساني. وبما للتفعيل من قيمة جراء الالتقاء الفكري، فإن سياسة تبادل الأفكار واستكشافها، تعدّ عملية مزهرة لأي فكرة، وتتمركز كنقطة انطلاق مع التجربة الإنسانية.

 

عمالقة الفكر

تاريخيًّا، يعود ظهور الصالونات الأدبية إلى جذر المعرفة الإنسانية، فكان في الحضارات القديمة، آثار لنفس فكرة الصالون الثقافي، فعند الفراعنة تواجدت التجمعات التي يتم فيها الغناء وإلقاء الشعر. وكذلك عند البابليين. كما اهتم الإغريق بمثل هذه التجمعات الثقافية، حيث الالتفاف حول الغناء وقراءة الشعر في أماكن محددة. وفي العصر الجاهلي اشتهر سوق عكاظ، وقد كان منصة ثقافية عند العرب. وفي الأندلس، لمع صالون بنت المستكفي، ولمع من خلاله ابن زيدون. وقد برز في الدول العربية صالون مي زيادة الفلسطينية التي انتقلت للقاهرة وأسست الصالون، وارتاده كبار المؤلفين مثل: عباس العقاد، وأحمد شوقي، والرافعي، وخليل مطران. كما وظهر صالون عباس محمود العقاد من بعدها، وقد كان يناقش القضايا الفكرية والفلسفية، ويدير حلقات نقدية. وقد سلط أنيس منصور الضَّوْء على هذه اللقاءات في كتابه ”في صالون العقاد كانت لنا أيام“. وتم اعتباره مرجعًا مهمًّا لإنجازات صالون العقاد الثقافي. كما ظهر صالون الدكتور أحمد تيمور، واهتم بمكانة الشعر في ظل تطور المجتمعات.

وبعد ملاحظة التجربة، فإن الصالونات الأدبية أو الثقافية المعاصرة في المنطقة العربية، يدور حولها جدل، من جهة أهمية بقائها، أو تطويرها، أو إلى أي مدى فقدت القيمة الأصيلة التي وُجدت لأجلها؟. فقد تحولت الصالونات الأدبية في غالبيتها، إلى صيغة نمطية، بغياب الابتكار، والتجديد، في أسلوب الإدارة، والمحتوى، والأفكار؛ ما يعني بقاء إطارها الشكلي، لكنّ هنالك فراغًا هائلًا في المضمون، الذي يطمح إليه رواد تلك الصالونات.

 

مشكلة البقاء

ولو دققنا في المشكلات التي تواجه الصالونات الأدبية في البلاد العربية، فإن معظمها تم تأسيسه بجهد فردي، دون الحصول على ترخيص من وزارة الثقافة، الذي كان سيوفر التمويل اللازم لضمان استمرارها. لكن المؤسس للصالون الأدبي، يرجو من خلال ذلك، الخروج من عباءة البروتوكول الحكومي، والتنميط في طرح القضايا في المؤسسات الثقافية البيروقراطية، وهو أمر مطلوب، من أجل التعددية، لكنه يسقط في معضلة أخرى، ألا وهي غياب الممول. وما إن تمر فترة قصيرة حتى يتوقف الصالون.

 

رومانتيكية

ومما يسهم في تذويب مكانة الصالون الأدبي في الوعي العربي، هو أزمة الثقة مع الطرح، فما يتم طرحه، لم يعد بقيمة ما طرحه صالون مي زيادة والعقاد، وما طرح في صالون دي ستايل في فرنسا، الذي نتج عنه مفهوم الرومانتيكة وقد كتب عنه فيكتور هوجو مقدمته الشهيرة. وقد تحول الصالون الأدبي العربي مع الوقت إلى مجرد لقاءات تقليدية، إما للحصول على المكانة الاجتماعية، وإما لنيل لقب وتكريم الصالون.

 

صندوق ورق

ولا يخفى هيمنة الكاتب الذي أنشأ الصالون على الأمور كلها، إذ هو من يحدد الضيوف للحوار، وهو من يختص نفسه باختيار القضايا، وهو من يسيطر على إدارة النقاش، أو يكون الحوار حسب توجهاته ورؤيته. ما ينتج ثقافة في تجاه واحد، ضحلة المنبع، لا تجديد ولا إثارة ولا تجريب فيها. كما وأن البعض استخدم الصالون الثقافي للترويج لمرشح سياسي ما، مقابل مصالح شخصية.

 

الهيئة الإدارية

ومن الأمور التي تهدم وجودية الصالون الثقاقي عدم وجود هيئة إدارية، تقوم على وضع الأسس، والرؤى، والأهداف، التي من أجلها يلتئم الصالون. وإضافة إلى غياب المهارة الإدارية والمعرفية، في الكثير من الأحيان، إذ إن الصالون الثقافي يتطلب ممن ينشئه، أن يكون شخصية مشهورة، ولها قيمة بين أفراد المشهد الثقافي. ويتمتع بالحضور الإعلامي، والقدرة على سلب اهتمام الشخص المقابل في الطرح وتقديم الأفكار. وهو الهدف من دور الصالون الثقافي، كجسر للبناء والتواصل، وهو بمثابة مؤسسة إعلامية صغرى في الأدوات، عظيمة في المُنتج، تناقش الوعي، وتنير الطريق أمام المجتمعات، برؤية استكشافية، وتنقذ الفرد، من لغط وفوضى المنابر الإلكترونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، التي تسهم في تلويث المفاهيم، وإهدار مائها.

إن الرسالة التي يقوم عليها الصالون الثقافي، حيث الحوار، والتجريب، والتنوع الفكري، وتعليم أسس الديمقرطية الثقافية، والبحث عن الظواهر الثقافية، والاجتماعية، ومن ثم بلورة النقد الفكري، والإبداعي، لها، تحتم على مؤسسي الصالونات الثقافية العربية حاليًّا إعادة تقييم الشكل، والمضمون أيضًا، إذ يتم من خلالهما إدارة تلك التجمعات، والعودة لتاريخ الصالونات العربية، وعمل مقاربة بين واقع ذلك التاريخ، وبين واقع الصالون اليوم. فلعل التعلم من تجربة سابقة، قد يكون طريقًا للنجاح والاستمرار.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com