فيلم The bird catcher للأمريكي روس كلارك.. قصص الحرب المخبأة‎ – إرم نيوز‬‎

فيلم The bird catcher للأمريكي روس كلارك.. قصص الحرب المخبأة‎

فيلم The bird catcher للأمريكي روس كلارك.. قصص الحرب المخبأة‎

المصدر: حسام معروف- إرم نيوز

يتحرى المخرج البريطاني روس كلارك عن قصص الحرب وآثارها الاجتماعية والنفسية في فيلمه The bird catcher المنتج أواخر عام 2019، بتأليف من تروند مورتن.

أحداث الفيلم المأخوذة من روايات حقيقية خلال الحرب العالمية الثانية، تركز على معاناة الفتاة اليهودية ”استر“  التي فقدت عائلتها خلال مداهمات القوات الألمانية للمدن النرويجية.

وتضطر هذه الفتاة لقص شعرها، والتخفي في مظهر شاب، لتقيم، مقابل العمل، بعد أن أخفت هويتها الحقيقية، في مزرعة لرجل نرويجي مؤيد للحزب النازي، الذي يطمح في مكانة لدى الحزب بعد انتهاء الحرب.

الاسم الجديد ”والا“ هو بر الأمان لهذه الفتاة طيلة فترة الإقامة مع العائلة النرويجية، وتجسد الدور سارة صوفي بوسنينا، ويحتضن سرها ابن العائلة الأعرج أكسيل ويجسده آرثر هاكالتي وكذلك أمه آنا.

هروب

وتتعرض ”إستر“ لمواقف متعددة، على عكس قناعتها  وإرادتها، خلال فترة ادعاء الذكورة، أبرزها أن تُجبر من صاحب المزرعة على تعذيب أحد المعتقلين لدى الألمان، فقد كانت المزرعة تُستخدم من خلال شراكته مع الجيش الألماني، في التحقيق مع المعتقلين.

 وبعد انكشاف أمر الفتاة لدى العائلة، يكون عليها الهرب، ويرافقها إكسيل، لكنها تفقده خلال رحلة الهرب، في نهر متجمد، ويكون مصيره الغرق.

 وإثر انقضاء الحرب وهزيمة الجيش الألماني،  تعود إستر إلى مدينتها، لتفتح محل الحلاقة الخاص بوالدها، وتمارس حياتها، وفي وعيها الحلم الأكبر، أن تكون ممثلة سينما شهيرة.

شخصية مزدوجة

إن ما ميّز الدنماركية ”بوسنينا“ قدرتها على طرح الشخصية المزدوجة في مشاهد متقاربة، فتظهر بداية ملامح الفتاة المنكسرة، المسلوبة الإرادة، تحاول جاهدة أن تلتقط أنفاسها بين أكوام الثلج.

ومن ثم تظهر بشكل على النقيض تماما في الصفات، والتعبيرات، ونبرة الصوت المائلة للذكورة إن تطلب الأمر، وحتى المشية وعلى الرغم من أنها لم تُجِد تقديم دور الشاب، بالشكل الكافي، وهو أمر صعب، فقد كانت ملامحها شديدة الميل للأنوثة، إلا أنها قدمت مشاهد مؤثرة مع  آرثر هاكالتي، ومع الأم النرويجية لورا بيرن في دور آنا.

معان متجددة

ومن جانب إخراجي، فقد تمكن كلارك من تصدير الحالة التي أرادها طيلة أحداث الفيلم، فلم تغب أحاسيس التأثر، والرهبة عن العرض، كما امتلك في كل مشهد محاكاة داخلية مع المشهد، ما يوضح امتلاكه مهارة صنع العمق إخراجيا، مقدما ذلك النوع من الفن الذي لا يُنسى، فتعددت في الفيلم المشاهد ”الرمزية“، الإيحائية، مثل مشهد وضع المساجين في أقفاص خشبية، وكان يرمز لمعاملة الإنسان مثل الدواجن، تذبح بعد قليل.

وبمجرد رؤية المرآة الزجاجية المكسرة، تعكس وجه إستر، فإن ما يطير إلى الوعي، فكرة الواقع المتشقق، وانكسار الأحلام في تلك العين الواسعة،  كما أن مشهد القارب الورقي الملقى في النهر، من يد إستر، هو ناقلة تحمل خيباتها وأحلامها القديمة، إلى حافة تبعدها عن الغرق.

يحافظ المخرج على جانب من الأمل وسط الأحداث الداكنة، بمشهد الملاك الثلجي الذي جمع إستر وإكسيل، ونجحت الفتاة في رسمه بأقدامها وأرجلها وهي ممددة على الثلج، فنجحت أخيرا، وفشل إكسيل، فتوقفت رحلته، وكان مصيره الغرق، هل كان المخرج هنا، يلمح إلى الأماكن التي تقذفنا إليها قناعاتنا؟، وكأنه  يريد القول: من يرى الحلم من بعيد يلمسه أخيرا، ومن ينكره يُدفن في مكانه.

 وتطرق الفيلم إلى قضية ازدراء المعاق، فكان واضحا ميل يوهان صاحب المزرعة جاكوب سيدرجرين إلى اقتناء ابنه البديل، بإصراره على إبقاء إستر، ليخفي وجود ابنه المعاق في قدمه إكسيل، فكان مشهد نقل البطلة المتوارثة في ليلة الكريمساس لإستر وهي تمثل دور ”والا“ الرجل، بمثابة كسر لإرادة ابنه، بعدما تأمل أن يكون هو من يحمل إرث عائلته، وتقاليدها، حتى في يوم الحفل،  كان طلب الأب من ابنه المعاق، بأن يخفي نفسه عن الحضور، وكأنه كان يطلب منه أن يدفن نفسه.

هي قصة أخرى في الفيلم، على الهامش، لكنها تحدث دويا، وتحرك الماء الميت، لفلسفة الإنسان غير الصائبة، في التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة.

شَعر صناعي

وتلجأ آنا بعد هزيمة الجيش الألماني إلى التنكر بعد تعرضها للإهانات والبصق من الناس، فتقص شعرها، ولا تجد من يحتضنها غير استر.

وفي مشهد إيحائي ختامي، تقوم إستر بإلباسها باروكة مماثلة لتسريحة شعرها الطويل، ليبرز المشهد معنىً علويا، بما يحمله من تعاطف من إستر مع آنا، فلم يكن رد جميل، بقدر ما هو رسالتها الأخيرة للعالم: في الادعاء لسنا نحن، إننا آلات لا أكثر، نشبه بعضنا، لدرجة أننا نشك بأننا ميتون.

هذا الفيلم أكبر من قصة تخف، فلم يكن هو الحزن الأكبر لدى استر، أو حتى آنا، لكن إحساس الإنسان بغياب الأمان، لأن يكون نفسه، هي فكرة الفيلم الأساسية، فبدافع الخوف من الآخر يفقد المرء قدرته على حمل وعيه، ويكون مجرد صنم بلا قيمة.

 وتلك قصص الحرب المسكوت عنها، هي الإشارات التي يجب أن يلتقطها الإنسان ليكف عن المعارك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com