ما الذي يجعل اليهودي يهوديًا؟ كتاب جديد عن أصل اليهود لستيفن وايتزمان

ما الذي يجعل اليهودي يهوديًا؟ كتاب جديد عن أصل اليهود لستيفن وايتزمان

المصدر: إسماعيل الحلو – ارم نيوز

ناقش كتاب صدر حديثًا جذور اليهودية محاولًا التفرقة بين اعتبارها عرقًا أو شعبًا من نسل منفرد أو أنها ديانة أو حركة فكرية تحمل طقوسًا خاصة تميزها عن غيرها.

وكتب المحلل من أصول يهودية ستيفن وايتزمان إن الكثير من المغلوطات حول نشأة شعب إسرائيل يتم تداولها منذ قرون، إلا أن حقائق جديدة تشير إلى أن نشأة اليهودية تعود لفلسطينيين قرروا صناعة هوية خاصة بهم بعيدًا عن الكنعانيين.

ويخالف وايتزمان الطروحات السابقة المشيرة إلى أن الشعب اليهودي مجرد اختراع حيث أن كلمة يهودي تعني أن تكون معتنقًا الديانة اليهودية، وهذا ما كان متفقًا عليه حتى قامت مجموعة من الباحثين بالاتفاق على فكرة القومية اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر، بظهور الحركة الصهيونية.

ووسط الخلاف الدائر حول أن اليهودية تضم أعراقاً مختلفة، ما يعني أنها لا تعود لأصل واحد، ضاعت الحقائق حول حقيقة أن بني إسرائيل فلسطينيون شكلوا ثقافة مغايرة للكنعانيين، حيث اعتلوا التلال وهجروا لحم الخنزير وختنوا أبناءهم الذكور لتمييزهم.

لكن رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدامائير تشتهر بتأكيدها على عدم وجود شيء اسمه ”إنسان فلسطيني“ تاريخياً، وبعض الإسرائيليين المعادين للعرب مازالوا يكررون كلامها حتى اليوم.

إلا أن نقاد الكتاب من الباحثين في أصول الشعوب أكدوا أنه ليس من السهل التعرف على أصول اليهود بشكل دقيق. وكما هو الحال الآن، فلا يمكن لأحد البت بكيف ومتى بدأت اليهودية. لكن، وفي كتابه الجديد ”أصل اليهود“ فإن ستيفن وايتزمان قام بجهد جبار للبحث عن بعض الإجابات الجزئية. وأشار فيه إلى بعض الأفكار المغلوطة مثل أفكار فرويد الذي اعتقد بأن موسى عليه السلام قد اشتق التوحيد من الديانة المصرية، وبذل الجهد ذاته في البحث البطيء في أعمال خبراء الآثار وعلماء الجينات.

ابتكار أم حركة انفصالية؟

ويصر الكتاب المقدس على أن موسى عليه السلام قد ابتكر الشعب اليهودي وطبق القانون على الإسرائيليين الذين كانوا بلا حكم ليتحولوا إلى يهود يتلون التوراة. أما المؤرخ اليوناني تاكيتوس، الذي سمع على الأرجح تلميحات عن قصة سيناء الرسمية، انتقص من أصل قصة التوراة، حيث قال بأن اليهود كانوا عبارة عن مستعمرة من المصابين بداء البرص هربوا من مصر، وأن موسى عليه السلام علمهم العادات الغريبة مثل الختان ليشكل منهم شعبًا منفصلًا بكل فخر. وبين التفسيرات التوراتية أو ما قدمه فرويد فإن اليهودية كانت تمثل تطورًا بطيئًا على الأرجح. وفي البداية، كان شعب إسرائيل بالكاد مميزًا عن الكنعانيين المجاورين.

ومنذ عام 1962، حين قام الباحث الإنجيلي جورج مندن هال بتقديم الفكرة لأول مرة، فإن العديد من علماء الآثار قد جادلوا بأن الإسرائيليين كانوا في الأساس مجموعة من الكنعانيين الذين انفصلوا عن الثقافة المهيمنة آنذاك. وفجأة، في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وبدأت أعداد كبيرة من الكنعانيين بالتحرك نحو مستوطنات قمم التلال الصغيرة وتوقفوا عن تناول لحم الخنزير.

وهذا تقريبًا كل ما لدى وايتزمان للاستناد عليه حين يتعلق الأمر بولادة إسرائيل. ويشير النصب الأثري المصري مرنبتاح الذي يعود للقرن الثالث عشر قبل الميلاد إلى وجود شعب أو منطقة تسمى إسرائيل، لكن كل ما يقوله النصب الأثري هو أن ”إسرائيل أنتج النفايات ولم تعد لديه بذور“، لأن جيش الملك المصري قد دمره. فيما كان الغياب الواضح لعظام الخنزير هو أكثر الأدلة التي لها معنى في أصول الإسرائيليين.

لكن، لماذا اتجهت الجماعات المتمردة من الكنعانيين إلى رؤوس التلال؟ هل كانوا المكافئ القديم للنباتيين محبي الطبيعة، وكانت رؤوس التلال هي مكانهم المفضل؟ يورد وايتزمان بأن اثنين من علماء الآثار، تزفي لدرمان وشلومو بونيموفتز، لديهما نظرية مثيرة، حيث يقولون بأن المحفز لولادة إسرائيل كان وصول الفلسطينيين إلى أرض كنعان. وأن الفلسطينيين، من شعوب البحر الذين قدموا من شرق البحر المتوسط إلى كنعان حوالي سنة 1150 قبل الميلاد، قاموا ببناء مدن أشدود، وعسقلان وغزة، وبعد عدة أجيال بدأوا بالاختلاط مع السكان المحليين الكنعانيين. لكن بعض الكنعانيين كانت لديهم مشاعر مختلطة حول التحالف مع الفلسطينيين. وفي هذا السياق، قد يكون الكتاب المقدس قد عكس شرخًا تاريخيًا حقيقيًا بين الفلسطينيين وما قبل الإسرائيليين حين ذكر قصة شمشون ووقوعه في حب دليله والمرأة من تيمنا، هذه النماذج النمطية الفلسطينية للأنثى الخطيرة.

متى صار الفلسطينيون يهودًا؟

من جانبهما لدرمان وبونيموفتز كانا ينقبان في آثار بيت شمس، وهي مدينة كنعانية قرب المناطق الفلسطينية والتي يبدو أنها قاومت القادمين الجدد. ومن الممكن أن إسرائيل بدأت بالظهور حين نأى كنعانيو بيت شمس بأنفسهم عن الفلسطينيين الغرباء. ففي بيت شمس لا توجد عظام خنزير، بشكل يتباين تمامًا عن المدن الفلسطينية المجاورة.

وبذلك قد يكون لدينا معرفة خافتة ومحدودة عن بداية إسرائيل، لكن هناك سؤال آخر يبقى مطروحًا، ”متى أصبح الإسرائيليون يهودًا؟“ عادةً يقول الباحثون بأن التحول وقع في الفترة الفارسية، بعد العودة من بابل إلى القدس والتي حث عليها الغزو العظيم من قبل سيرس في القرن السادس قبل الميلاد، رغم أن أغلب المنفيين البابليين ظلوا في بابل.

ويذكر كتاب عيزرا ونحميا عملية إعادة بناء المعبد وتطبيق القانون اليهودي في القدس، واستخدموا كلمة يهوديم التي تعني اليهود أو اليهوديين. وكان الأمر عينه قد ذكر في كتاب أستير، الذي يرجح أنه كان في نفس الفترة الزمنية. لكن، في كتابه الذي نشر عام 1999 ”بدايات اليهودية“، ناقش شايه كوهين بأن السلالة الحشمونية التي حكمت في القرن الأول والثاني قبل الميلاد، كانوا أول من أصبح معتنقًا لليهودية. ثورة المكابيين جلبت الحشمونيين للسلطة: سيمون المكابي، أخو يهوذا المكابي، هو من أسس السلالة الحاكمة.

الهوية والسلالة

وحتى ظهور الحشمونيين، كما يناقش كوهين، فإن كلمة يهود كانت تصف ببساطة سكان يهوذا، كما هو الحال حين نقول بأن الأمريكي هو المواطن في أمريكا. لكن الحقبة الحشمونية أحضرت إلى يهوذا فكرة اليونان بأن الشخص يمكنه أن يكون جزءًا من أمة. قد تتعلم عن الحياة اليونانية حتى وإن لم تكن ولدت يونانيًا. وبشكل مشابه، فإن اليهودية أصبحت هوية متحققة، بدلًا من الهوية التي اكتسبها الشخص عند ولادته. في حين دراسة الدين وممارسة الشعائر تجعل الشخص يهوديًا. وبدأت فكرة الغسل الشرعي والطهارة الميكفا وارتداء عصبة التيفيلن مع الحشمونيين، وكلا الممارستين مبنيتان على أساس يوناني. وغالبًا ما كان يرتدي اليونانيون عصبة فيها كتابات من هوميروس على جباههم للاستشفاء.

بينما حاول بعض اليهود عكس عملية الختان التي تعرضوا لها من خلال زرع جلد جديد بشكل مؤلم مكان الجلد المقطوع ليتمكنوا من المنافسة عراة في ألعاب اللياقة دون حرج. لكن كوهين يجعل من قضية التأثير اليوناني سببًا سمح لليهودية بأن تتميز بذاتها. فليس من الصحيح تمامًا استخدام التعبير ”يهودي-يوناني أو يوناني-يهودي“: فالحمشونيين اليهود نظروا لليونانية كنموذج، بينما بقي الإصرار على أنهم مختلفون تمامًا. وبدأ التحول لليهودية يتزايد.

الجينات تدفعنا للتفكير بالتاريخ اليهودي كقصة عائلة مكتوبة بشكل كبير. لكن التشبيه بين حضارة وعائلة يقودنا للطريق الخطأ. الموروث الجيني غير متشابه مع العادات والتقاليد التي يضعها البشر. حتى الآن، يتضح أن القليل من الرجال اليهود لديهم روابط جينية مع الشرق الأوسط. في حال كان هذا صحيحًا أم لا، تبقى حقيقة الأخوية اليهودية كما هي.

نحن نبحث عن أصول اليهودية لنعرف ما يجعل اليهودي يهوديًا، أو كما يقول جاي دي كوهين ”ما الذي يجعلنا نحن على ما نحن عليه وهم على ما هم عليه؟“، ذلك لأن الطريقة الوحيدة لتعريف اليهودي هي مقارنته بالمسيحي. لكن ما يجعل اليهودي يشعر أنه يهودي قد تغير عبر الزمن، ويختلف بشكل كبير من شخص لشخص ومن مكان لآخر. إن كنت يهوديًا إسرائيليًا فليس عليك أن تفعل شيئًا لتكون يهوديًا فمجرد دعمك لإسرائيل فهذا يعزز يهوديتك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة