“رحلة الدم”.. فتنة المسلمين الكبرى ومأساتهم التاريخية

“رحلة الدم”.. فتنة المسلمين الكبرى ومأساتهم التاريخية

“هي لله”.. هذه جملة المفتتح والإهداء للرواية الجديدة للكاتب والصحفي المصري إبراهيم عيسى، الصادرة عن دار الكرامة، في طبعة ثانية، بعد نفاذ الطبعة الأولى، في 5 أيام فقط، “رحلة الدم .. القتلة الأوائل”.

ولعلّ إبراهيم عيسى يريد أن يخبر كل من سيقرأ هذه الرواية، أن ما خطه في 700 صفحة ويزيد، كتبه وهو متجرد من قناعاته الشخصية وأهوائها التي قد تميل مع القلب لسيدنا “علي بن أبي طالب”، أو لا تجد حفيظة في محبة سيدنا “عثمان بن عفان” لعشيرته ونسبه من بني أمية، أو أن مصر لم تفتح على يد “عمرو بن العاص”، بل دخلها بالتفاوض والسياسة ووقف شهورًا أمام حصنها “بابليون”، يترقب وينتظر الانهيار السياسي والمعنوي لقيرس المقوقس، حاكم المصريين الطاغية، وبطريركهم المخالف لمذهبهم الأرثوذكسي القويم.

يناجي عيسى في روايته الجديدة “لله” وحده، فهو الأقدر والأعدل في الحكم على تلك السنوات العاصفة في حياة المسلمين، والتي عرفت فيما بعد في العديد من الدراسات التاريخية والأدبية التي تناولتها بسنوات الفتنة الكبرى، تلك السنوات التي أعقبت وفاة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، متخذًا من عشرات المخطوطات والوثائق التي تناولت تلك الفترة الحرجة المفعمة بالإيمان وبالغيرة على الدين، الذي كان لازال قابعًا في الصدور، مسرحًا للأحداث والسرد.

فكل شخصيات الرواية حقيقية، ومجريات ما وقع مدون ومكتوب عند “تاريخ الرسل والملوك” للطبري، و”البداية والنهاية” لابن كثير، و”سير أعلام النبلاء” لابن الأثير، و”المصاحف” للسجستاني، و”الفتح الإسلامي لمصر” لأحمد عادل، و”فتح العرب لمصر”، لألفريد بتلر، وغيرها من المصادر التاريخية التي رجع إليها الكاتب.

هنا يتوقف إبراهيم عيسى في روايته “رحلة الدم .. القتلة الأوائل” طويلا، أمام تلك الأسئلة، باحثًا بين سطور التاريخ وشواهده على إجابات مقنعة، فتبدأ الأحداث بالليلة التي قتل فيها الإمام سيدنا علي بن أبي طالب، مع صلاة الفجر، على يد عبدالرحمن بن ملجم المرادي، الذي اعتبره الأخير كافرًا خارجًا عن الدين.

وقبل أن يفيق القارئ من تذكر هول الحدث وكارثيته على المسلمين، يأخذه الكاتب إلى الوراء عشرين عامًا، لكي يتبصر الحقيقة المرة، ويعرف جذور الماسأة، وكيف نشأت فرق الخوارج والمذاهب ليتفرع دين الإسلام إلى ملل ونحل ومذاهب جعلته في فرقة عن أهله إلى يومنا هذا، بعد أن تحول بمقتل سيدنا “علي بن أبي طالب” إلى ملك عضوض، يتبع الهوى والسياسة، فنعرف ومن خلال سرد روائي يلهث وراء تاريخ “عبدالرحمن بن ملجم المرادي” قاتل سيدنا “علي”، أنه يمني يرعى الغنم، بليد العقل سريع الحفظ والنقل، اتبع الصحابي الجليل “معاذ بن جبل”، حينما أرسل لكي يعلم أهل اليمن الإسلام، فبات كظله لا يفارقه وعلى يديه حفظ القرآن وقرأه، كما بعثه الخليفة “عمر بن الخطاب” لجيش “عمرو بن العاص” وهو زاحف إلى مصر، لكي يتلو عليهم القرآن ويقوي من إيمانهم.

ومع كل تلك التقوى الظاهرة والنافرة في صوت وسلوك “عبدالرحمن بن ملجم”، يكشف إبراهيم عيسى بذكاء الروائي ومحترف قراءة التاريخ، أن هذا النوع من الشخصيات يبدأ وينتهي إيمانه بالغلو والتطرف، لا بالتدبر والتفكر في أمور الدين والدنيا.

فيورد الكاتب موقفه من المصريين، فهو يعتبرهم كفارًا فتح الله عليهم بمجيء العرب لهم، ويستغرب من براعة “عمرو بن العاص” في التفاوض، لكسب مصر دون إراقة دماء المسلمين، فهو في نظر “عبدالرحمن بن ملجم”، لم يجاهد في سبيل الله طالما لم تقطع رؤوس ولابحار من الدم أريقت.

لم يتوقف عيسى عند  شخصية “عبدالرحمن بن ملجم المرادي” فقط، ولكنه جعلها العين الشاخصة على الأحداث، والمعلق على تصرفاتها وقرارتها باللوم والاتهام بالتفريط في دين الله وخشيته طوال الوقت، فأمام أعيننا: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمرو بن العاص وعثمان بن عفان وعبدالرحمن بن ملجم المرادي والزبير بن العوام والمقوقس حاكم مصر وعبدالرحمن بن عديس ومحمد بن أبي بكر وأبو ذر الغفاري والسيدة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وعمار بن ياسر وغيرهم الكثير، ممن صنعوا هذه الأحداث المسكوت عنها في التاريخ الإسلامي.