كانط والتفلسُف النقدي في نظرية المعرفة

كانط والتفلسُف النقدي في نظرية المعرفة

المصدر: ساسي جبيل – إرم نيوز

صدر في بيروت كتاب للناقد والمفكِّر العراقي الدكتور رسول محمَّد رسول (التفلسف النقدي.. إمانويل كانط والعرفة البديلة) عن منشورات ”ضفاف“ في بيروت، ومنشورات ”الاختلاف“ في الجزائر، ومنشورات ”الأمان“ في الرباط، و“دار كلمة“ في تونس. وهو كتاب يضم مقدمة وستة فصول تعود بنا إلى مفاصل فلسفة كانط.

يقول رسول: ”مهما اتسع مجال الدراسات الفلسفية في نظرية المعرفة، فإنه يحتاج دائماً إلى إعادة في النَّظر التفكُّري من جديد؛ ذلك أن المعرفة الفلسفية تنطوي أبداً على إمكانية التفسير والتأويل أكثر من غيرها مقارنة بأنواع المعارف الأخرى. وإذا كان هذا الأمر ينطبق على الفلسفة عامّة، فإنه ينطبق أيضاً على بعض الإسهامات الفلسفية التي تُعد فواصل واستئنافات معرفية مُهمة في تاريخ الفلسفة خاصَّة، ومنها (الفلسفة الكانطية) في مهدها الأول لدى الفيلسوف الألماني إمانويل كانط“.

ويضيف قائلاً: ”إن ما تسعى له فصول هذا الكتاب، إنما هو بيان الكيفية التي يفسِّر بها كانط أصل المعرفة وطبيعتها ومصدرها ومآلها، ومن ثم، الكشف عن العناصر المقوِّمة لهذا التفسير في سياق نصوصه ذاتها لأنّها الأكثر صدقاً في التعبير عن جوهر الموقف الكانطي من إشكالية المعرفة“.

لذلك يستعرض المؤلف الأفكار الفلسفية التي قدَّمها الفلاسفة قبل كانط في نظرية المعرفة، ويتوقف عند الإرث النَّقدي الذي صاغ كانط وفقه عناصر نظريته في المعرفة النَّقدية، وهذا ما تضمَّنه (التمهيد) الذي تصدَّر كتابنا المتواضع هذا.

وبحسب فصول الكتاب الستة، تقوم نظرية المعرفة النَّقدية لدى كانط على عنصرين، بل مَلَكتين تتكاملان في توليد المعرفة النَّقدية، وهما: ملكة الحس وملكة الفَهم. ويبدو أن كل واحدة من هاتين الملكتين ينطوي على عناصر إنْ هي إلاّ قيمة أساسية لأي معرفة ممكنة. ولهذا، تتضّمن ملكة الإحساس صورتين قبليتين هما المكان والزمان، وقد تناول الباحث في (الفصل الأول) أثر المكان المتداخل في هذه الملكة من خلال استعراض دلالة (المكان) كمفهوم فلسفي لدى الفلاسفة قبل كانط. ولما كانت فلسفة هذا الأخير قد تطوَّرت خلال مرحلتين أو أكثر من ذلك، فإن المرحلة النَّقدية تفصل بين مرحلة سابقة وأخرى لاحقة في حياة كانط ومشروعه الفلسفي.

ومن هنا أيضاً، وجد الباحث من المناسب تحديد دلالة مفهوم كانط لـ (المكان) في المرحلة قبل النَّقدية وبعدها، وهو ما يمثل جوهر فهمه باعتباره مفهوماً قبلياً محضاً يُعد شرطاً من شروط الحس أو الإحساس أو الحدْس الحسي.

إلى جانب المكان، تناول رسول في (الفصل الثاني) دلالة مفهوم (الزمان) في الفكر الفلسفي الغربي الحديث قبل كانط، وموقف الأخير من الفلاسفة قبله. ومع (الفصل الثالث)، يدخل البحث في هذا الكتاب إلى مرحلة النَّظر التفكُّري في (ملكة الفهم أو الفاهمة)، فكان لابدَّ من تحديد دلالة الفهم أو الفاهمة، وبيان أثرها في نظرية كانط الخاصَّة بالمعرفة النَّقدية التي كان يأمل تكوينها، ومن ثم الكشف عن العلاقة فيما بين ملكة الفهم، من جهة، و(الأحكام) من جهة أخرى؛ فالمعرفة، في نظر كانط ورؤيته المعارفية أو الابستمولوجية، ليست انعكاساً للموضوعات المتأتية إلى فكرنا من الخارج بواسطة الانطباعات الحسية، إنما هي عبارة عن عملية حُكم يصدره فهمنا على الموضوعات والأشياء.

لقد اعتمدت نظرية المعرفة النَّقدية لدى كانط، وكما يقول رسول في مقدمة الكتاب، على الإرث النَّقدي الذي دشَّنه عدد من الفلاسفة  قبله، وقد حاول في تفكُّره لبناء نظريته النَّقدية أنْ يتجاوز الأزمة التي وقعت بها التجريبية النَّقدية لدى جون لوك، والمثالية الاحتمالية أو الإشكالية لدى رينيه ديكارت، بل والمثالية الدغمائية لدى جورج باركلي.

يقول رسول: ”لقد استطاع كانط أن يتجاوز الأزمة التي تهاوت بها الفلسفات أحادية الاتجاه كالفلسفة التجريبية، والفلسفة العقلانية كلاً على انفراد في التوصُّل إلى صياغة تركيبية تكاملية يتواشج فيها الحس مع الفهم على نحو مقبول لتوليد المعرفة تواصلاً دقيقاً مُحكم البناء، مما أضفى على فلسفة كانط في المعرفة النَّقدية قيمة تأريخية مُهمة في مجال الفلسفات الحديثة“.

إن البحث في الفلسفة الكانطية لهو الموسَّع الغني المغري أبداً، وذلك لما احتلته هذه الفلسفة من أهمية كبيرة في التأريخ الفلسفي الحديث. وما قدمه المؤلف هنا، لا يمثل سوى جانب من جوانب الفلسفة الكانطية، ولنا الطموح بأن يكون مسعانا هذا مقدِّمة لدراسات جديدة في فلسفة كانط.

أما عن تجربته مع الفلسفية الكانطية، وفي خلال السنوات الماضية، فيؤكد الدكتور رسول محمد رسول بأن الفيلسوف الألماني كان منعطفاً في حياته الفلسفية، ولذلك يقول: ”مع كانط تعلَّمت معنى التفلسف“.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com