الثالث المرفوع.. في قصص الحب والهيام عند العرب – إرم نيوز‬‎

الثالث المرفوع.. في قصص الحب والهيام عند العرب

الثالث المرفوع.. في قصص الحب والهيام عند العرب

المصدر: ساسي جبيل - إرم نيوز

صدر للشاعر والأكاديمي التونسي منصف الوهايبي كتاب (الثالث المرفوع: في قصص الحب والهيام عند العرب)، وذلك ضمن سلسلة ”آفاق برسبكتيف“ للدراسات والبحوث 2016.

والكتاب يشكل نظرة أخرى مختلفة وجديدة في قصص الحبّ عند العرب. فأن يتمّ النظر في قصص الحبّ عند العرب بغرض تخصيصهم بظاهرة الحبّ دون غيرهم من الأمم فذاك عينه سوء التدبّر لمثل هذه القصص أو لكلّ مقاربة نظريّة تتناولها، إذ إنّ مثل هذا التّخصيص لا يعدو أن يكون غير ادّعاء نرجسيّ يحتكر تجربة إنسانيّة كونيّة مفتوحة لم يكن السّبق فيها للعرب ولن يكونوا فيها حلقة الاختتام، وإنّما هم يتبوّؤون فيها منزلة لا يَفضلون بها منازل غيرهم من الأمم ولا هم في ذلك أدنى منهم، وإن كان ذلك لا يبخسهم في نفس الوقت حقّ التفرّد ببعض الميزات التي تجعل رؤيتهم للحبّ مخصوصة بخصائص حضارتهم ومطبوعة بطبائع بيئتهم. ولا بدّ أنّ المنصف الوهايبي وهو يتدبّر أمر هذه القصص بالتّخيّر والتّعليق لا يقوم بذلك وهو تحت وطأة هذه العقدة، وإنّما قام بذلك استئنافا لمجهود ما انفكّ بعض الكتّاب والمفكّرين العرب يبذلونه سعيا إلى بيان منزلة النّصّ الغراميّ العربيّ من الخطاب الغراميّ الكونيّ.

واستعرض الكتاب قصص الحبّ عند العرب بين البدويّ والحضريّ. كما تناول المؤلف قصص الحبّ الحضريّ ”الحسّي“. وصـورة المرأة/ صـورة الرّجل، والحبّ/ الجمال.

وتناول قصة المرقّش الأصغر وفاطمة بنت المنذر وتجربة الجنس الخالص.

وحكاية امرئ القيس من خلال تناول  قصص الحبّ والشعر. وبيضة الخدر (جسد المرأة المعشوقة) وقصّته مع عنيزة.

كما درس الوهايبي قصّة سحيم عبد بني الحسحاس (العبد العاشق لابنة سيده)، وعمر بن أبي ربيعة والثّريا وقصص الحبّ البدوي ”العذري“، وصورة العاشق المتغزّل الموله، وعبد الله بن عجلان وغصّة العشق. وقصة عروة وعـفـراء وجميل بثينة وأدب الحبّ.

وختم الباحث بقصص الحب: البدوي/الحضري: طفولة الحبّ، والنصّ الصوفي كنص جامع، كما لم يغفل فصل الملاحـق الذي أورد فيه سير ومختارات لشعراء عرب عشاق.

العرب والحب

لئن كان التاريخ العام لتجربة الحبّ عند العرب لم يُنجز بعد، فإنّ ذلك لا يحول بالضّرورة دون ترسيم ملامح هذه التّجربة من خلال الاستئناس بما تحفل بعض كتب الأخبار والسّير من قصص عن تجارب في الحبّ شطّت فيها حرقة الهوى بأصحابها وطوّح بهم العشق في أقاصي الرّغبة أو الشّوق وشفّ فيها الوجد عن قلوب تتقطّع نياطها.

وقال المعز الوهايبي مقدّم الكتاب: ”قد يدعو توهّم أوّل، عندما يتعلّق الأمر بتناول ظاهرة الحبّ، أنّ مثل هذا التّناول سيكون مشبعا بنفَس رومنطيقيّ أو بأبعاد وجدانيّة تعكس معاناة الحبّ وخلجات النّفس. غير أنّ مثل هذا التّناول إذا ما رام التّقصّي عن ماهية الحبّ، أظفر بها أم لم يظفر، أو إذا ما رام ترسّم أبعاده وتأوّل مضامينه وغير ذلك ممّا تنشده أيّة دراسة نظريّة لموضوع من موضوعاتها؛ مثل هذا التّناول لا يمكنه إذن أن يكون في الغالب الأعمّ غير تناول جافّ يخلو من طراوة التّجربة العاطفيّة حتّى لا يبدو غريبا عن تجربة الحبّ نفسها. وإذا انغرزت عين القارئ في جملة هنا أو في مفردة هناك لطراوتها فذاك على الأرجح غير متأتّ من أسلوب الكتابة وإنّما من موضوعها.

وإنّنا إذ نسوق هذه الملاحظة فليس لنبرّئ هذه المقدّمة لبعض قصص الحبّ عند العرب – قصص تعبّر عمّا يمكن أن نعتبره مفارقة مخصوصة يتمثّل صاحب هذا الكتاب في شأنها بمصطلح ”الثّالث المرفوع“ وقد استجلبه من أهل الفلسفة والمنطق- من وزر الصّياغة  فإنّها لكذلك وإنّنا لنتشفّع لأنفسنا بما نلفيه لدى غيرنا من مفكّرين وفلاسفة لم يليّن موضوع تفكيرهم (الحبّ) من صرامة المفهوم لديهم ولا هو أسبغ عليهم من طراوته إلاّ في ما قلّ وندر. ولا يفوتنا في هذا المضمار أن نأتي ببرهان على ما نقول يتمثّل في جماليّات هيغل وهي تتقصّى عن العلاقة بين الحبّ والفنّ في أكثر من موقع من فصولها أو يتمثّل في ما يكتبه جيل دولوز عن الرّغبة في أوديب المضادّ أو حتّى لدى أفلاطون في المأدبة“.

التنوع والثراء

وخلص المعز إلى أنّ التّراث الغراميّ عند العرب يبدو غاية في التّنوّع والثّراء، فهو كما ذكرنا يناظر في تشكلّه التّنوّع والثّراء اللّذين أسهما في بناء الحضارة نفسها. بيد أنّ هذا العمل لا يرمي إلى الإلمام بكلّ ضروب الحبّ لدى العرب؛ فلا يعنيه أن يستخلص نظريّة الحبّ لديهم فذاك مطلب عزيز تجشّم عناءه غيرنا، وهذا العمل حسبه أن يدرك أمله في أن يصوغ ملمحا من ملامح هذه النّظريّة بطريقته، وعليه فإنّ ما يعنينا إنّما هو النّظر إلى ضرب من ضروب الحبّ في الذّهنيّة العربيّة كما تأتّت إلينا عن طريق بعض قصص الحبّ، ألا وهو الحبّ كعاطفة إيروتيكيّة يتداخل فيها النّفسيّ والجسديّ في منحى يخفّف من المغالاة في روحنة الحبّ، مثلما يتجلّى ذلك في ما يرد ضمن هذا الكتاب تحت مصطلح ”الحبّ الحضري“، وفي التّعفّف عن شهوانيّة الجسد مثلما يتجلّى ذلك في ما يرد ضمن هذا الكتاب أيضا تحت مصطلح ”الحبّ البدويّ“.

وإذا كان هذا الكتاب لا يُعنى مباشرة برمزيّة القصّ العشقي في الخطاب الصّوفيّ؛ فإنّنا نلاحظ بتفاوت استخدامه لبلاغة أيروتيكيّة وقد تمّت تنقيتها من الاستعارة الدّالّة على شهوانيّة جنسيّة مباشرة وبعد أن تمّ تطهيرها من الأسلوب المعبّر عن الحاجات البيولوجيّة الطّبيعيّة حيث تكون إماتة الشّهوات من شروط إمكان التّرقّي القدسيّ. وهذا ممّا يجدر أن تتعلّق به همّة الباحث في شؤون البلاغة سعيا إلى ترسيم ملامح ”التّحويل البلاغي“ التي تسِم كلّ ضرب مستجدّ من ضروب الأدب أو الفنّ، حيث القوانين التي تحكم فعل الإبداع لا تعدو أن تكون غير قوانين ”المعاودة والاختلاف“ إذا ما تمثّلنا بمفاهيم جيل دولوز.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com