ثقافة

"بحث في علم الهشاشة" للعراقي حيدر صايغ.. كبسولات أدبية تحاكي الأمراض‎‎
تاريخ النشر: 06 يوليو 2020 16:45 GMT
تاريخ التحديث: 07 يوليو 2020 7:06 GMT

"بحث في علم الهشاشة" للعراقي حيدر صايغ.. كبسولات أدبية تحاكي الأمراض‎‎

يذهب الكاتب العراقي "حيدر صايغ" إلى منطقة نادرة التناول في الإبداع الأدبي، حين يكرس مجموعة نصوصه القصصية "بحث في علم الهشاشة" أو "فن الاحتضار"  لتفنيد أشكال

+A -A
المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يذهب الكاتب العراقي ”حيدر صايغ“ إلى منطقة نادرة التناول في الإبداع الأدبي، حين يكرس مجموعة نصوصه القصصية ”بحث في علم الهشاشة“ أو ”فن الاحتضار“  لتفنيد أشكال الألم الناجمة عن المرض، تلك الصادرة عن دار دراج 2020.

ففي نصوصه القصصية القصيرة ”المايكرو تكست“، يميل صايغ إلى التجديد في طريقة سرد القصة القصيرة، التي في الأصل، تخضع للتغيير المستمر في كيفيتها وهيكلها.

منطقة حائرة

ويكمن الحدث الغريب في سرد الكاتب العراقي، في انتقاء منطقة حائرة ما بين الحياة والموت، تلك المساحة التي يتحسس الإنسان فيها ضعفه، وخوفه، ويستشعر مرارة الحياة. فما هي الأسئلة التي تسيطر على المرء في هذا الفراغ؟ وما هي الإجابات المتاحة لتفسير هذه المعضلة! لا حلول جديدة في هذا المدار، ابتكرها الإنسان للنجاة من شبح المرض، ولغز الموت، هذا ما يحكيه صايغ في نصوصه القصصية القصيرة، كما لو أنه يفتتح صيدلية جديدة، على المرضى وذويهم ارتيادها للتشافي بكبسولاته القصصية. وعلى الرغم من أنه ليست جميع نصوصه تمتلك سائل الدهشة، إلا أنها جميعها تمتلك سائل البكاء، والتأملية لهذه الرحلة الشاقة.

مسحوق أبيض

شخصيات صايغ في الغالب تدير ظهرها للعالم، وتبدو كأنها تطحن أعصابها ومكونات خلايا الأجساد الضعيفة التي تقيدها من أجل صنع المسحوق الأبيض الكيميائي، ليستعين به شخص آخر، تغلبا على مرضه.

عند لحظة المعاناة، يقترن عقل الإنسان بقشات خفيفة من الأمل، لحظات استرخاء، لا تكفي للنجاة، لكنها تسعف الإنسان لاكتشاف منطقة محايدة مع مأساته.

مناجل

ففي نص“فقر الدم المنجلي“ يجلد صايغ لحظة الحلم،  ويتيح المجال للواقعية لتكون رأس المشهد، حيث تندفع الفتاة المريضة إلى إحساسها القائم على الألم، لتحكي للعالم قناعة الراجل، ويكتب صايغ على لسانها: ”ماما تقول إنني سأصبح فتاة جميلة ونادرة، لكنني أقول إنني لست سوى بالونة صفراء لا يمكنها الطيران، بالونة تسري داخلها المناجل“، ذلك الجسد المثقل بالمرض المستعصي عليه الطيران، يحمل القطع المشفّرة، التي تجرحه في كل لحظة، ففقد القدرة على ملامسة جدران الحياة الطبيعية، فنطقت الفتاة باليأس.

خارج السباق

وبعيدا عن منطقة الأمان، يدور صايغ بعدسته نحو مساحة أخرى من الوجع، وكأنه بذلك يحاكي ”ليو تولستوي“ الذي يقول:“السعداء يتشابهون، أما التعساء، فكل واحد منهم يعيش بطريقته الخاصة“. عندما يكشف الكاتب العراقي  في نص“حديث مع الآلة“ عن مريض آخر، لم تسعفه كِليته لإكمال حياة ناعمة، وانسحبت في وسط السباق، ويعلو صوت القاص بالقول: ”وفي حالة تقاعسه بالحضور، والتحدث مع الكتلة، سيغطي جسده باليوريا، لذا عليه الحضور دائما حتى وإن كانت الساعات مملة وبطيئة، فهو مجبر على الحديث مع هذه الآلة، ليعيد لجسده الحيوية اللازمة، حتى وإن مارس حياته اليومية بعد ذلك، بجرح مفتوح في الرقبة، فعليه الحضور ليستعيد الحديث“. هذا المبرر الوحيد الذي يمكنه ان يخبره للعالم، للقبول بتشويه أهم عناصر جسده، ألا وهو الحفاظ على بعض من الحياة.

شيخوخة

ويكرس صايغ أدواته الإبداعية في إظهار الكيفية التي يعمل بها المرض على إفناء الجسد، من خلال دفعه للشيخوخة، فتصير من المستحيل استعادة نعومة الجلد، وقوة العظام، وطاقة الأنسجة العضلية، وكيف أننا  عندما نحسّ بحدة المرض، نستشعر اقتراب الموت على الرغم من أن الإنسان لا يعرف من شكله، ولا ماهيته غير التوقف، حينما نصبح خارج الحياة.

ويذهب صايغ في نص“ شيخوخة“ بالطفل، من خلال طفرة LMNA الجينية إلى شيخوخته، هذا الطفل المصاب بمرض الشياخ ”بروجيريا“ يعمد أهله إلى التخلص من كافة المرايا في حياته؛ كي لا يرى جسده وهو يتجعد، وأطرافه وهي تتيبس، وكتفيه وهما يميلان للإنحناء.

خطان متوازيان

وفي لحظة انقلاب على النظام الذي يفرضه المرض، يقص صايغ حكاية أخرى عن الخطين المتوازيين “ الأسود والأبيض“، اللذين يشغلان فراغ الحياة، لفتاة ترقد أمها في سرير المرض، فتكسر اللون الأسود في حياتها بثوبها الأبيض، فاتحة أبوابا موازية للفرح  ليدخل لحياتها المسلوبة مع مرض أمها. يكتب ”حيدر صايغ“ بصوت الفتاة، في قصة ”ثقوب“ :“أمي راقدة في غرفة المستشفى، ودخلت عليها ببدلتي البيضاء لأودعها، وكانت بعض السيارات في الخارج،  تطلق صفاراتها، وهم يرمون الرصاص في الهواء، أمي واهنة ومتعبة، لا تزال صغيرة، لكنها تبدو كهلة“. هذه الثقوب الصغيرة في جسد الأم المستسلم،  التي حدثت بفعل قسوة المرض، لها مكان موازٍ في جسد ابنتها، يدخل بواسطتها الجرح، ومن المكان نفسه تماما يتم تسريب الحياة تدريجيا من داخلها.

تجمعات صغيرة

ويقارن حيدر صايغ في قصة ”يسقط كل يوم“ بين الحالة الطبيعية لسقوط الشَّعر، وبين حالة المرض، وينجح في هذا النص بإحداث الصدمة للقارئ بأن يتيح للذهن التفريق بين الحالتين. فيكتب:“ يسقط كل يوم شعرهن من أثر التمشيط،. إن تشاجرن، ينسل من أصابعهن، منتشرا في أنحاء المكان. تلمّه الأم عند كل غروب، وتدفنه في الحديقة، يسحب الشعر من فمه عندما يأكل، وأحيانا يدخل في أنفه، من الوسائد، فيوقظه من النوم. حتى تلك اللحظة التي بدأت  إحداهن تفقد شعرها من أثر العلاج الكيميائي، أخذ يتجاهل سحبه من فمه، ومن أنفه. كان شعرها على هيئة تجمعات صغيرة يملأ أنحاء البيت، وكانوا يتجاهلونه لأيام طويلة“.

اللغة السردية السهلة، ميزت نصوص حيدر صايغ، كذلك تناوله منطقة غير مرغوبة عند الإنسان. ذلك ما يفتح الباب للمزيد من التحليل والتأمل في اكتشاف أسرار هذا الألم النهائي، في الكثير من المرات، لحياة الإنسان.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك