”نواقيس العزلة“ للإماراتية لطيفة الحاج… تأرجح بين الواقع والخيال – إرم نيوز‬‎

”نواقيس العزلة“ للإماراتية لطيفة الحاج… تأرجح بين الواقع والخيال

”نواقيس العزلة“ للإماراتية لطيفة الحاج… تأرجح بين الواقع والخيال

المصدر: حسام معروف- إرم نيوز

تتعدد التراكيب الفنية، والبناءات الهيكلية للشخصيات في رواية ”نواقيس العزلة“ للإماراتية لطيفة الحاج، الصادرة عن دار مداد للنشر 2019.

وتدور أحداث ”نواقيس العزلة“ حول شخصية نسوية غارقة في تجاربها مع الحياة، ومع شخصيات الروايات، وتستعيد من الذاكرة المكتظة بالخدوش، ذكريات من زمن طفولتها ومراهقتها، لتدمجها مع حاضرها.

تصفيف تبادلي للمشاهد

وبتكنيك التبادلية في تصفيف المَشاهد، تبرع الكاتبة الإماراتية لطيفة الحاج في عرض أحداث متوالية، وبشكل يثير التوتر، ويفرض حالة رهيبة من الجذب، فعملية الشحن العاطفي ليست سهلة، ولا يمكن أن تصل إليها إلا كاتبة متمرسة.

وتلتفت الحاج إلى ”الكائنات الدقيقة“ داخل الذاكرة، تلك التي تتعايش مع مكونات  العقل الجديدة، وتهرم مع الوقت، لكنها لا تموت، وتشبه عملية استحضارها النزيف.

لحظات غائرة

والشخصية التي تدير السرد، مريم، وهي الراوية والبطلة، حيث تستخرج من داخلها لحظات غائرة من مواقف الطفولة، فتعتبر قمع الأهل للفتاة في صغرها، وفرض القيود على الأفعال، كأنها تُمنع من رفع سروالها في مدرستها، وإن كلفها ذلك أن تتبول على جسدها، وفي مراهقتها، لا تنظر النظرة الحرام إلى الرجل، هذه النظرة بمعايير الأهل، والعادات والتقاليد والدين، هي نظرة القلب، حين تشعر الفتاة بأنها إنسانة، تميل حواسها لشخص ما.

وتقول الحاج: ”لقد تزوجت برجل لا أعرف عنه شيئا، حالي حال الكثيرات من البنات في مجتمعنا. الزواج أمنية كل الفتيات، الزواج برجل، على أن الاقتراب منه أو التعامل معه محظور، والحديث معه عيب، وتعمد النظر إليه حرام“. وتبدو الإجابات من الأهل في فترة المراهقة، أبوابا تفتح على المتاهات، وتبقى الأسئلة عالقة. تجيبها عليها التجارب التي تأتي متأخرة غالبا.

عزلة أخرى

وتنتقل مريم من عزلة طاردتها في مراهقتها، إلى عزلة أخرى بعد الزواج، فبعدما تزوجت من راشد ”الروائي“ الرجل الذي أحبها من أول نظرة، اعتقدت بأن الحياة بدأت بالإفراج عنها، والكف عن اعتقالها، لكن الوقت كان يخبئ لها عزلة أخرى؛ بأن يتكرر الإجهاض لديها بعد كل حمل.  هذه الطريق مع الحزن الذي لا يكف عن الإيذاء،  يوصلها إلى مرض نفسي، تقرح جواني، يفقدها القدرة على التواصل مع الأشياء من حولها.

وهم

عالم آخر تلجأ مريم إليه، يصعب لها أن تفرق من خلاله بين واقعها وخيالها. ذلك المكان الذي تستضيف فيه قرينها ”كوازيمودو“ الشخصية الخيالية المقتبسة من رواية أحدب نوتردام، التي تعيش داخلها فقط، تتقافز حولها، تعتني بـ ”عبودي“ الشخصية الوهم، الطفل المتخيل الذي لطالما حلمت أن تنجبه، ومع اشتداد صراعها الداخلي تضيف إليها وهما آخر ”ميثانة الدمية“ تعتني به، تسمع بكاءهما غناءً، لتغطي على بكائها.

بطل كلاسيكي

أما راشد، الشخصية الكلاسيكية، الحنون المؤثِر على نفسه، فقد اختار عالم الخيال ليعيد تجديد نبض حياته المتوقف دون أطفال، ليتجه إلى عالم الكتابة، يفرغ فيها هواجسه ومخاوفه من الماضي والمستقبل، ويتعرف من خلاله على اللبس المعتري حاضره. وتكتب عنه الحاج: ”راشد بطل الروايات الكلاسيكي، يتحول إلى بطل حزين محبط، كثير الصمت، يشبه الأبطال الغرباء، أصحاب الشخصيات المُركّبة“.

إسقاطات

ولأن مريم توقن بأنها هي سبب نجاحه؛ لأنها كانت من وجهته لكتابة الروايات، تبقى طوال الوقت تقرأ رواياته، تكررها كأنها حياتها، وتسقط مدلولات شخصيات زوجها الروائي على أحداث وشخصيات حياتهما الحقيقية، لدرجة أنها لم تعد تفرق بين الحقيقة والخيال في الكثير من الأحداث.

خذلان

تلك العزلات المتكررة، تصنع من شخصية مريم، موضوعا مثيرا للبحث والتحليل، وتحيل الأزمات النفسية التي اعترضتها كأنثى، إلى قضايا اجتماعية، لا تتوقف عندها فقط، إنما تفتح الباب لبوح الكثير من الفتيات في المجتمع العربي، لسرد قصصهن، الممزوجة بالحزن والخذلان، اللذين لا يولدان سوى الضعف والحسرة للمرأة في مجتمعاتنا. وتكتب الحاج:“ الخذلان ينخرنا، مثلما تنخر الرّمّة الخشب“.

رائحة الخل

وتلوّح الحاج في روايتها ”نواقيس العزلة“، بالعديد من المفارقات النفسية، التي تقلص من حياة الإنسان، وتجفف مصادر وجوده، وبواسطة مهارتها اللغوية، والأسلوبية، وتبدو كأنها تدمج عدة روايات داخل رواية واحدة، فألمحت مختصرة، لكل رواية كتبها بطلها راشد، وتنقلت بين أبعاد الشخصيات، لتصنع منطقة التقاء مع واقع شخصية مريم.

وتمكنت الحاج من تمييز معظم شخصيات الروايات الداخلية المدموجة بروايتها، بصفة لاذعة، تشبه رائحة الخل، لا يمكن للقارئ إلا أن يتأثر بها. فشخصية ”ماكس“ البدين، ترسخ في الذهن بالبعد الشكلي، وشخصية زوجة صاحب المطبعة، التي تجمدت عند لحظة ما، لتفقد إحساسها بأنوثتها، لأن زوجها أرادها شكلا لا أكثر في حياته. كم لمعت شخصية لص النهار، الذي سرق جواهر أمه، واتجه لبيع الجواهر، وإعادة سرقتها. كما وكررت الكاتبة الإماراتية، التلميح لصفة الأحدب لقرينها ”كوازيمودو“ ما ميزه طيلة خط السرد.

واستدعت الحاج بؤساء هوجو، ومسخ شخصية غرينوي من رواية العطر، و كوزيمودو، أحدب نوتردام، لتضيف إلى أحداث الرواية عمقا، كنتيجة للمؤثرات الذهنية التاريخية التي تعلق في عقل المتلقي.

وتفرد لطيفة الحاج في روايتها ”نواقيس العزلة“، أجواء من الحزن والتأمل للأوجاع، تسلط الأضواء فيها على قضايا فردية أنثوية، وتلامس من خلالها نمطا اجتماعيا، يصنع الحزن للمرأة، وتكتب في ذلك: ”الحزن المقدس، الشعور الفريد الأسمى، الكليشيه الأكثر تكرارا، والأكثر مللا، لا أسهل  من الكتابة عن اليأس والإحباط والانكسار، يمكن لأي أحد أن يرتدي معطف السوداوية، ويتحرك فيه، على طريقة الأشباح، لكن ليس سهلا، أن يبتسم ويعبر عن فرح اعتراه، وأراد أن يخبر الناس عنه“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com