”بياصة الشوام“ للمصري أحمد الفخراني.. مزج بين الأسطورة والتصوف – إرم نيوز‬‎

”بياصة الشوام“ للمصري أحمد الفخراني.. مزج بين الأسطورة والتصوف

”بياصة الشوام“ للمصري أحمد الفخراني.. مزج بين الأسطورة والتصوف

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يمضي الروائي المصري أحمد الفخراني نحو عالم هوائي، متطاير الخيالات، في روايته ”بياصة الشوام“ الصادرة عن دار العين للنشر والتوزيع 2019.

 

حجارة الخيال

هو خط وهمي، يفصل بين ”بياصة الشوام“ والعالم الواقعي، تشعر بوجوده، وتلمسه. فبمجرد أن يبدأ ”سعيد“ البطل في رواية قصته الأسطورية حتى تشعر بأنه يأخذك إلى وادي عبقر، وادي الجنون والمس. فسعيد، الرجل المتشابك من داخله، خيوطه غير مستوية، وغير متشابهة، وغير قابلة للفك. كل ما يريده بجسده الضعيف الهمة، النحيل الهيئة، أن يستعمل الجمال مرة واحدة كاملة دون نقص، وأن تتحقق ذاته في بعد صوفي بحت.

يمر ”سعيد“ بتجارب مختلفة مع أهل الحي الذي نشأ فيه، الذي هو حي واقعي في الإسكندرية يسمى ”بياصة الشوام“، فيتعرقل بداية، بانتحار أمه، التي فقدت عقلها، جراء هروب أبيه مع امرأة أخرى، ليجد ثريا، الكبيرة في السن، العظيمة في الإغواء، فيعشقها، وينحت لها تمثالًا يجسدها، ويضيء من روحه فيه، حتى يخلدها. وتكون مرحلة أخرى للصراع مع ”البامبو“ فتوة البياصة، الذي يأخذ التمثال، ليسحق من خلاله فراغه الروحي، ويؤسس لمعرفة سر الخلق الأكبر، الذي أخفاه عنه إدريس، معلم ومحتضن سعيد منذ الطفولة. ويكون سعيد أمام تحدي الموت، في حال لم ينحت تمثال البامبو، المنتصر في حرب العائلات الثلاث.

 

نملة وفيل

في الرواية رموز كثيرة، تنحت طريقًا شاسعًا لتحليل وفهم العمل. فالنملة بضآلة حجمها وعظمة فكرتها، تنجو أمام الفيل الضخم بأساليب مراوغة. وتذهب المخيلة إلى أن الفيل يتركب من عدد مهول من النمل، فكيف لنملة وحيدة أن تهزم كل هذا؟ يقول الفخراني: ”كلنا نمل نرغب في مخاطبة ملك نملة لا تملك لسانًا، وإن ملكت، لا تملك بلاغة“. رمز آخر هو الجبل، الذي يتساءل الكاتب عند تخيله، هل هو بداية الحجب عن السر، أم هو نهايته؟

 

تروس

أما عين البطل فلم تكن ترغب بالواقع، حيث يرفض سعيد التحديق في متاهة من التروس الدقيقة، في محل ساعات قديم، فهو يحلّق في مجهول، خلف الجبل العظيم. هو يصنع الجمال على الرغم من أنه تمت سرقته منه، حين هبط بجسده إلى الأرض، آتيًا من خزانة بعيدة في العرش، تجمع كافة أجساد الخلق، حيث خلقت في أحسن هيئة. ويعزو ”الفخراني“ سبب عدم اكتمال اعتدال سعيد، إلى فعلة الشيطان، حين قام بسرقة جسده المقوّم.

 

زمن ثابت

إنه الفن، صنعة سعيد، حيث يقول الفخراني: ”الفن إذن هو تثبيت للزمن، التحدي الحقيقي للثقب الأسود الذي يبتلع كل شيء“. ومن خلال الفن لعب سعيد بأسرار الزمن، ذهب في رؤاه إلى أماكن في المستقبل، ممزوجة بأحداث الماضي، وشكّل الأسطورة بأصابعه، ومن ثم حاور أبطالها، وصار الراوي الوحيد، الذي يملك السر. وبينما يتقدم إلى الجبل ليحركه من موضعه، ينتهي السرد، ليكمل كل قارئ المشهد الأخير في خياله، أو بعد موته على الأغلب.

 

كراسي موسيقية

وفي الوقت الذي يطارد فيه الإنسان مادته ليكتشف سرها، يزداد شعوره بالمتاهة، إنها لعبة الكراسي الموسيقية مع الذات، بوجود النار، والماء، والتراب، والهواء، في كل مرة ينتصر أحدها عليك. هي مخلوطات مادتك، تشدك في كل مرة لفكرة جسدك، على الرغم من تصوفك في فناء روحك. لا تحزن فعند ابن عربي تحتل المادة موضعها عند المستوى الأدنى من البنيان التسلسلي للوجود. والعناصر الأربعة ليست لتشكيل المادة فحسب، بل هي مكونات روحية أيضًا، حتى لو لم يكن لها شكل، أو أخذت مستوى أنطولوجيًا، يحتمل أدنى مستويات الوجود. بمعنى أن الروح جزء من هذا التركيب، لكنها تتوارى خلف سر خلودها. يقول ابن عربي: ”العالم كله مشبع بالحياة ما دام انعكاسًا للوعي الإلهي. كل شيء في هذا العالم حي. كل شيء ينبض بالحياة، وتحييه روح“.

 

حلقة نار مُعلّقة

تفيض ”بياصة الشوام“ بالأسئلة، وكذلك بشبكة معقدة من الأحاسيس، فبين ثنايا النص، حقول ألغام لم يُعرّف ”الفخراني“ بخريطتها في مقدمة الكتاب. لذلك، لا بد من السقوط مرة على الأقل في الفخاخ التي ينثرها الكاتب بشكل عشوائي. وتقدم الرواية مزيجًا من المشاعر القطبية بالأشياء، والقائمة على التناقض. فالحب يتجلى في أبعد سقف له، وكذلك الرغبة، التي يصفها الكاتب المصري في أبهى شكل لها. كما يتمثل الخوف على هيئة كلمات، خوف من الناس، خوف من الرب، خوف من الخطيئة ذاتها. واتضح مدى ميل ”الفخراني“ إلى جلد الذات الإنسانية، وكذلك إنصافها. فبينما يلهث الإنسان خلف رغبته، يتذكر قسوة حاله، وضعفه، وابتعاده عن خالقه، ووعيه الخالص. لكنه مع ذلك يستمر في تكرار قفزه وسط حلقة نار معلقة، لا يكتوي بها جلده، لكنه الوعي، فلا بد للتجربة أن تشتمل على مرحلة الحرق بالنار.

 

مئة صوت

وبفعلٍ تعميقي للأحداث، يُسرَد النص بلغة تسير على آلة فرز، تلك النوعية من الكلمات التي تصدر بمئة صوت مصاحب لها، فيُدهِش الفخراني، بالفكرة الخارجة من مشهد نراه لأول مرة، والكلمة الخاطفة التي تعبر النص كطلقة مدوية. هذا ما أكسب الرواية الفتنة والإغواء. كلاهما يحفزان لإكمال القراءة حتى النهاية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com