الحجر يحكي قصة الفلسطيني مع المحتل.. في ”وارث الشواهد“ للروائي وليد الشرفا

الحجر يحكي قصة الفلسطيني مع المحتل.. في ”وارث الشواهد“ للروائي وليد الشرفا

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

عن تجربة المعاناة الفلسطينية مع الاحتلال وحكايات الأرض والتراب، يتحدث الروائي الفلسطيني وليد الشرفا في روايته ”وارث الشواهد“، المنشورة عام 2017، من قبل دار الأهلية للنشر، والمتأهلة للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربي عام 2018.

المنشأ

تسرد الرواية قصة صالح الملقب بالوحيد، من حشره العسكر الاحتلالي في خانة اليتيم منذ صغره، بعدما قام الجنود بقتل أبيه المعلم، بدم بارد. فراغ كبير يتولد داخله تجاه العالم، ويتسرب إليه الشعور بالقهر كنتيجة للفقد. ويكرس من بعدها حياته لكشف أحقية أهله بالرجوع لمعانقة حجارة المنشأ، واستعادة الحق المفقود، ويلصق الاحتلال تهمة القاتل بالوحيد، ويقدم للمحاكمة، ويحمل اللواء عنه صديقه الطبيب بشارة المسيحي، ومن بعدهما الأبناء، كناقلين للهوية، والعلاقة مع الحجر.

قبران لميت

وتتشكل قصة حياة الوحيد مختلطة برموز قاسية، مثل الشظايا المدفونة في الطين، تهاب الخطى السير من بعدها، شق الطرق. فكانت ذاكرته مشوشة بقبرين لوالده، أولهما حدد الاحتلال مكانه، بعد مقتله مباشرة، وثانيهما في نابلس حيث تهجر جده، الذي قام بنقل الجثمان.  ويربو وعي صالح مسطرًا بالشواهد، والشاهد في ذهنه كل ما تبقى من حجارة كدليل على وجود بيت جده، وحياة كاملة بأحاسيسها. غصة فقد الأرض، وفقد الجسد، وفقد الروح، سطور شائكة يخطها الشرفا في روايته، ينساب منها الهيكل الأصلي لقصة الشعب الفلسطيني مع احتلال دام سبعين عامًا. معانٍ فيها من التأويل والوحشة ما يطول الحديث عنه.

مطر داخلي

وتلمع في الرواية لغة مليئة بالدلالات،  فيكتب الروائي الفلسطيني بأسلوب سهل في العرض، عصي في التجاوز. فلا يمضي تجاه إضاءة إلا ويورط القارئ في إضاءة سابقة، توقفات متعددة مع النص الملغم بالمعرفة، وبأصول الأشياء، فكأنما أراد الشرفا أن يوثق معلومات تاريخية أُرهِق في البحث عنها، والإحساس بها، في شكل فني، يتساقط المعنى فيه على القارئ كأنه مطر داخلي.

كما تواجد في نثره الكثير من الجمل المحملة بالحس الشاعري، ومضات مكثفة موضوعة بعناية، في أماكن مختلفة من خريطة سرده، تبدو كما لو أنها مفاتيح لاكتشاف الخبايا، وفك الرموز، للوصول إلى رسالته. ويتسرب إلى الذهن عاطفة مريد البرغوثي في رواية ”رأيت رام الله“، عاطفته تلك التي طفت على السطح، أثناء دخوله بيت قلبه الأول، وطنه فلسطين، بعد عقود من التهجير والمنع.

ميكروفون سردي

ويختار الشرفا صيغًا مختلفة في وسائل السرد، فينقل الميكروفون السردي لعدد من أبطاله، كل واحد منهم ينثر الوجع بحسب ما رآه وأحسه. والتعدد في الصوت الروائي هنا لا من أجل الاختلاف في الرؤية، كما في النظام البوليفوني ”تقنية تعددية الأصوات“، إنما من أجل تدعيم رؤية الكاتب. هي رواية بصوت وحيد، أيدولوجيًا، لكن بعدة أجساد تطبيقًا. فالكاتب نقل أحاسيس البطل صالح، ومن ثم بشارة، ومن بعده ريبكا الغربية، زوجة صالح، ومن ثم انتقل خيط الألم ليتم وصفه بنظرة الأبناء جوليانا، ابنة بشارة، وليلى ابنة الوحيد.

حنين

ويميز الكاتب بطله بصفة العلم بالغيب، فيقول: ”لقد أورثناك علم الغيب، والقدرة على رؤية الأحداث قبل وقوعها، جزاء بما صبرت، كرامة جديدة لكراماتك، وآلامك“. وكأن كل ما كان يكتبه، كان في أول خطوة في الكون، يرى ما يرى، وينقل بصيغة المتحدث عن المستقبل، وقد طوّع ذلك بكلمات كلها تتحدث عن شيء في المستقبل. وكمثال عن هذا يكتب الشرفا في لحظة صالح الأولى مع مسقط رأس أبيه: ”سأبكي أكثر بكاء المحروم من كل هذا الجمال، والسحر. ضباب خفيف بين الوديان، وبطن الجبل، وبعض العصافير، التي صحت مع البرد….. سأعايش الأمراض التي تنتج عن التاريخ“.

موت متكرر

ويتطرق الشرفا إلى مشهد الموت، هو المشهد المتكرر في اليوميات الفلسطينية، فتذوق مرارته الملايين من هذا الشعب فيكتب من ذاكرة صالح: ”عينا جدي أراهما الآن سوداوين، حادتين، شاخصتين، دون أي حركة. أسنانه تطحن نفسها، و أنا أبكي في تلك اللحظة، خوفًا عليهما، خوفًا من خوف أمي، وخوفًا من شكل جدي، الذي لم أكن ألفته من قبل“.

وجع أسطوري

ويركز الكاتب الفلسطيني على الوجع الأسطوري للأم  الفلسطينية، بسبب ممارسات المحتل، حين فضلت سفر ابنها، وغربته، تفقده مغربًا، لا متحللًا. فكتب: ”ما هذه الأم التي تختار وجع الفراق، أمام احتمال الموت!“.

مسرح وواقع

وعن المفارقة في رؤية العالم للجرح الفلسطيني، يعري الشرفا ذلك التناقض، حين يقول: ”أستغرب كيف يرى هؤلاء الإنسانية هنا، ولا يرونها هناك. كيف يبكون في المسرح، ولا يبكون في الواقع!“.

كما نوّه إلى استحالة البتر الدائم في علاقة الإنسان مع أرضه، فيكتب: ”هل تصبغ الأسماء الجديدة الحالات القديمة؟ منذ بابل حتى الآن، وهم يسرقون الأسماء بعد الأمكنة، وقبلها. لكن الحلم والذكريات، التي تعجن المكان وتشكله، لا تورث يا بشارة، أليس كذلك؟“.

روح تصلبت

إن رمزية الشاهد في سرد الشرفا لها ثقل المدلول،  والتلميح، كما لو أراد نقل موت الحجارة المحتلة، حتى يرجع صاحبها، لتعود للحياة من جديد، ويقول هنا: ”الشاهد ليس حجرًا، إنه روح تصلبت، كما يحدث التحول في التاريخ والطب“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com