”عتمة الذاكرة“ لأثير عبدالله النشمي.. نقل لمعاناة المرأة من ذكورية المجتمع

”عتمة الذاكرة“ لأثير عبدالله النشمي.. نقل لمعاناة المرأة من ذكورية المجتمع

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تقدم الروائية السعودية أثير عبدالله النشمي، الرواية الاجتماعية ”عتمة الذاكرة“، التي صدرت عن دار الساقي للنشر والتوزيع، أواخر عام 2017 بأسلوب تحليلي نتقن ولغة رشيقة.

وتتحدث الرواية عن رجل (مشهور) هارب من ذاكرته، التي تلاحقه إلى منطقة معتمة، ظانًّا أن تلك المنطقة هي الموت، من شدة عتمتها، حيثُ يستعيد كل خيوط الوجع التي مشى عليها بأعصابه، منذ طفولته، تلك السيوف الحادة التي أدمت جلده وذاكرته.

كما يستعيد بكل خيبته رحلته القاسية، مع إهدار عائلته، المتمثلة بأبويه، لنزعة الإحساس بالراحة، وتتفعل ذاكرته بشحنة سالبة، تسحب كافة خيباته، ملتفة حوله، في ذلك الظلام الحالك.

ويستمر حزن مشهور في تقطيع أغصانه، فعن تلك الفرحة الطرية كالثمرة التي جفّت، لأنه نشأ بين أبوين سندوا جدران حياته بالعنف، ما ترك أثرًا يتسع كل يوم في جسده، كحفرة غير قابلة للردم.

في حين إن المرأة (منتهى) التي وجد فيها وسيلة للإقلاع، من خلال إحساسه بحب غريب تجاهها، فقط لأنه رأي فيها ما يمكن أن يكون له تعويض عن إقصاء أمه الدائم لعاطفته.

وكان في هذه المرة هو ندبتها، الندبة التي تعلق في الذاكرة دون محو، فلم تكن منتهى تستحق هذا الغل المكوم في مشهور، وتلك الذكورية المفرطة في الطباع، المتركبة كعُقد تمنع انفتاح الطُرق إلى السعادة،  وصراع ذاتي ينتهي بالفقد، وتراكم للخيبات، بالزواج من امرأة أخرى (عهود) لتطهير الوجع، لكن لا شيء يتبع المأساة، ويرسم ضحكة كاملة.

تناقضات

واستطاعت الروائية السعودية من بسط لغة سلسة، خالية من التعقيد، فيها من الاسترسال، ما يجعلها أكثر قابلية للألفة، وأكثر جاذبية للمضي معها، تلك اللغة الخالية من التكلف والمطبات، هو ما يحتاجه القارئ في السرد الأدبي.

ونجحت النشمي في صقل شخصية معقدة التركيب، ممتلئة بالتناقضات، واضحة في أدائها الدرامي، غامضة في التلاعب بدمى المحتوى، وهو ما وضع لها في الحواس الكثير من الأيدي المصفقة لها، فصنعة الشخوص في الرواية، لا تقل صعوبة عن صناعة قبعة لرأس لا تعرفه.

مظلة من الحزن

ولا يمكن إغفال ما تمتلكه الروائية السعودية من الذكاء، ما يسير عملية المواربة السردية دون تساقطات، وكأنها أرادت أن تجمع كافة قطرات الماء، وهي تقف تحت شتاء السرد، فما أرادت أن تقوله بصقل شخصية مشهور، قالته من فتحة الباب الصغيرة، لشخصيات أخرى، متمثلة بالأم، ومنتهى، وعهود، ونورة، وكلهن نساء لهن تجاربهن القاسية مع ذكورية المجتمع العربي، هي مظلة من الحزن تخيم عليهن جميعًا، فقط لأن هناك من يدفع بالحرية المأمولة لهن، إلى هاوية مظلمة.

المونولوج

ويبدو أن ظهور الأم بهذه القسوة في الروايات، أمر غير اعتيادي، لكن النشمي عزت لها ذلك النشاز، بسرد تاريخ علاقتها مع زوجها على لسان مشهور، هو الراوي، والبطل، بطريقة ”المونولوج“، فلم تكثر الحوارات في الرواية.

أم مشهور هي من ذاقت لسعة النار في شخصية زوجها بفارق كبير في العمر وبعد مستمر عن خط الرحمة، وضرب متكرر أمام أطفالها،  إنها كانت تفرد غلها على رؤوس أطفالها، بدلًا من أن تحيطهم بحبها، فجعلت منهم شوكًا يجرح ذاكرة الآخرين للأبد.

بينما كانت نورة الأخت، تهرب مما يلسعها، سجن ضيق يخنق أنوثتها بتسلط مستمر من والديها، وسجن أكبر واسع في الظاهر، لكنه أكثر ضغوطية على كاهلها، ألا وهو نظرة المجتمع بأنها عانس، ما دفعها للبحث عن هاوية أعمق، بزواجها من سكير، ومنفلت، إنها كانت تهرب من تجربة مع الحزن المتقطع، لتجربة مع حزن دائم، وعن عهود التي لم ترتكب ذنبًا سوى أنها أحبت مشهورًا، وأرادت منحه السعادة، لكنها كانت تسكب حنوها، في أرض بور.

غبار التجربة

ولم يكن مشهور الحالة الوحيدة التي تسطرت مساراتها بالتعقيدات، فهو عينة من الكثير في المجتمعات العربية، هو الذي دفع ثمن القِصر في الفهم لقيمة العائلة، على شكل إخفاقات تتوالى طيلة فترة تسلقه الجبل، لقد سقط وأسقط كل من حوله وكل من تعلق به، لقد كانت النساء دائمًا غبار التجربة المتساقط في حياة مشهور.

وكيف لفتوحة كهذه أن تتوقف عن النزيف، فيما يتعلق الجرح بمنتهى، الفتاة التي رأت في مشهور محاكاة لسعادتها، لكنه كان غير جاهز لتركيب حجارة حبه لها كلها، إلا باللون الأسود، كان طفلًا على الدوام، يعاقبها على كونها امرأة، لأنها من جنس أمه التي قهرته صغيرًا، يعاقبها بأن يهدم بناء اللعبة كلما شارف على تجميعها كاملة.

صدع الحياة

وكان لمنتهى خيال عادي كأي أم، كما تنسق ضمة الورود كل صباح، تحلم بأن تنسق ملابس طفلها، لكن مشهور كان يمتلك من العجز، ما يمنعه من رؤية طفل يشبهه، يحمل صدع الحياة، مثلما فعل.

النبش في الذاكرة

وكان مشهور في مسابقة خاسرة دائمًا مع ذاكرته، فلا يعرف مواعيد سقوطها، فكأنما زرعه كان مكتوبًا له دائمًا التلف، أمام خياراته، فهو يحمل غلّ الكلمات التي حقنت في ذاكرته صغيرًا، وهو ما يشير إليه كارلوس ثافون بتعبيره: ”لكن تلك الذكريات التي لا تمحى، والكلمات التي تحقن قلب الطفل بالغل، سواء قيلت عن جهل، أو عن سبق إصرار، تترسب في الذاكرة، وتترك جرحًا لا يندمل“.

ولأن مشهور كان دائم الجلوس على حافة ذاكرته، يتأمل كم الخسارات، ويحاكي أعماقها، فقد بقي طوال عمره، يغني القسوة، فلم يعرف قط كم هي دافئة يد الفرح. فكان إحساسه مطابقًا لما تحدث عنه إميل سيوارن: ”على الإنسان أن لا ينبش في ذاكرته إذا أراد أن يكون سعيدًا“.

الرواية التحليلية، تلك التي تتمتع بجوانب مختلفة للرؤى، وهو ما يحسب للروائية السعودية، فهي تغوص في أعماق التشابكات الاجتماعية، لتلتقط حالة متشظية، تفتح على أكثر من جهة للنقاش، والتحليل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com