عن الانتهاكات ضد المرأة في الحروب.. رواية ”الحياة من دوني“ لعائشة البصري

عن الانتهاكات ضد المرأة في الحروب.. رواية ”الحياة من دوني“ لعائشة البصري

المصدر: حسام معروف – إرم نيوز

سلطت الروائية عائشة البصري الضوء على مساحة واسعة من الانتهاكات المختلفة، التي تتعرض لها المرأة خلال الحروب، وذلك في روايتها “ الحياة من دوني“ الصادرة عن مكتبة الدار العربية للكتاب منتصف 2018.

سُعار

الرواية التي حققت جائزة معرض الشارقة الدولي للكتاب لنفس العام، كأفضل رواية عربية، تخوض في منطقة غامضة، أو بالأحرى فيما يسكت عنه، تجنبًا لعواقب في الأغلب تتحملها المرأة، على الرغم من أنها هي الخاضعة للظلم والانتهاك خلال الحملات المرتكزة على السعار من جانب الجنود، خلال ظلمات الحرب، في جميع أنحاء الكون.

وترتكز الرواية على شخصيتين، هما قوتشين، وجين مي. الأختان اللتان نشأتا في إحدى قرى الصين الشعبية، ووقت اشتعال الحرب كان رحيلهما مع العائلة إلى قرية ”نانغينج“. والمسجل تاريخيًا بأن هذه القرية قد تعرضت لمذبحة وحشية خلال الحرب العالمية الثانية، من جانب الجيش الياباني، وقد نجم عنهما آلاف القتلى، وما يقارب 20.000 حالة اغتصاب للنساء، والأطفال، والعجائز.

في غفلة من عالم منشغل

تنقسم أحداث ”الحياة من دوني“ بين المغرب والصين وفيتنام، وبملء مسافة زمنية ممتدة بين 1937 و2012، تنطلق القصة  في المغرب وتحديدًا في مدينة الدار البيضاء لتعود وتنهي في نفس المدينة، حكاية حرب خلفية موازية ساحتها جسد المرأة. في  نهاية  سنة 1937، هاجم الجيش الياباني قرية  ”جِسْر تْشُولانْغْ“، وهي قرية صغيرة في الشمال الشرقي للصين، وفي طريق العساكر اليابانيين نحو مدينة  ”نانْجِينْغْ“.. قتلوا الرجال واغتصبوا النساء، وحرقوا الزرع، واختطفوا الفتيات ليكن ضمن ”نساء المتعة“ المرافقات للعسكر، فهرب السكان إلى الجبال أو ساروا في اتجاه الغرب.

وفي غفلة من عالم منشغل بأحداث الحرب العالمية الثانية، كان الجندي الياباني يبصم أسوَد نقطة في تاريخ الإنسانية، وفي تاريخ النساء على الخصوص ”اغتصاب نانْجِينْغْ“. فقد دُمِّرت المدينة واغْتُصِبت النساء، ودُفن الناس أحياء في مقابر جماعية.

خذلان

شخصية قوتشين التي منحتها الكاتبة صفات الجرأة والقدرة على المجازفة، التمرد على المألوف، ونبذ العادات الدينية الصينية، والتقاليد المجتمعية، جعلت منها كائنًا روائيًا بامتياز. فمهمة الرصد الروائي البحث عن ثيمة من نسج الواقع لكنها تخالف المسار الذي يرسمه الواقع، وتسير على اختلافها، الذي هو هويتها، أيًا كان تقييم المسار ذلك، لكنه يمثل حجر زاوية في النسق الروائي. قوتشين باندفاعها تحدت مخاوف الأنثى من القمع الاجتماعي المستمر في كافة المجتمعات المحافظة في العالم، ولهي حينما تفعل ذلك تمثل جنون الكثيرات من النساء اللواتي لم يقمن بفعل ذلك، تخوفًا من العقاب الاجتماعي الجائر، الذي قد يصل في كثير من الأزمنة إلى القتل والإخفاء. وتمر شخصية قوتشين بعد تطورات على أثرها ينمو الخيط الدامي، بداية باستغلال عشيقها لها أثناء الحرب، ومن بعدها انتقالها من بلدتها، إلى فيتنام، بعد موت أبيها، ومن ثم التحاقها بعائلة الإيطالي“ بيير“ كراعية لأطفاله، ومن ثم خوان الأسباني وتخلي الاثنان عنها، قد سبب لها الشعور بالخيبة من الوجود الإنساني. وأخيرًا كان محمد نقطة انقلاب في تجربتها، المغربي الذي ألزمها بتعاليم دينه الإسلامي، وعادات أهله، لتكمل حياتها في المغرب، ولمدة أكثر من أربعة عقود لم تقابل أختها وتوأمها، جين مي، وحين سنحت لها الفرصة العودة للصين، احتضنت رماد جثة جين مي، في جرة.

اغتراب عن الحياة

أما جين مي فأكسبتها الروائية صفات المرأة التي تمثل رمزية ثقافة المجتمع. فبرزت تلك الهوة الكبيرة في التفكير والتصرف بين قوتشين و جين مي، فكانت جين مي على عكس توأمها، مرتضية بالعرف الديني والاجتماعي، تمارس المقدر لها كأنثى محددة بسقف ثقافي لا يجوز تجاوزه، أو الحيد عن مساره. ولم يلاحظ النمو الدرامي لجين مي بقدر سيرها في نسق التقليدية الاجتماعية، لكن التساؤلات الأنثوية في آخر الرواية حول صحة الطريق الذي سلكته في تجربتها، وهل كان من الأفضل أن تعيش حياة قوتشين؟ ولربما كان ذلك ما يمكن استلهامه من تسميتها ابنتها ”قوتشين“ فهي لربما كانت ترى في اختها نموذجًا هرب من سيطرتها على حدودها للعالم وتمثل في أختها.

سرد يفعله الرماد

وتقدم عائشة البصري التكنيك الحداثي في تنسيق روايتها، فتتبع نظام الشبكة الصوتية الثنائية، فأفردت مساحة للأختين بالتناوب لسرد نفس الأحداث، كل منهما بطريقتها. وهو ما أكسب العمل مساحة من الإعمال للعقل، والتنقل بين الكاميرات الذهنية لرؤية الحدث من زوايا مختلفة. كما أن البصري أتقنت صنع هوية لغوية مشرقة، تكللت في أوجها، بعدما سردت ما تقوله جين مي، وهي خارج العالم، إنها كانت تخاطب العالم من جرتها، وهي رماد كأي شيء مسحوق في الكون. وقد جسدت في تلك المشهدية المؤلمة، كم التهميش الذي تتعرض له المرأة، حتى بعد موتها فقالت:“ الموت ليس تلك الجثة الباردة، أو ذلك الرماد في جرة فاخرة. الموت أن يلغيك الأحبة، وتموت في ذاكرتهم“. وعبرت عن مأساة النساء بعبارتها:“هناك غربة خاصة بالنساء، لا يعرفها الرجال، غربة المرأة حين يستباح جسدها، وحين يتخلى عنها الجسد ويفقد سلطته على الحياة، حينها لا تكفي كل بلدان العالم لتكون وطنًا لها“.

وتظل المقولة التي صدرها كافكا للعالم بمثابة تلخيص لأشكال المعاناة الإنسانية على مر العصور، فهو بذلك قد لَمَحَ جميع من تعرضوا للاعتقال بغير اقتراف الشر، والانتهاك الجسدي والروحي، والابتزاز، والتنكيل، والقتل. أشكال من العذاب الإنساني، تتفاوت حسب المكان و الزمان، لكنها تجتمع جميعها في حرب ما. فيقول كافكا:“ : ”لابد أن أحدًا قد افترى على ”جوزف ك“ إذ اعتقل ذات صباح دون أن يكون قد اقترف شرًا“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com