في زمن ”عزلة الناقد“.. الأدب العربي إلى أين؟

في زمن ”عزلة الناقد“.. الأدب العربي إلى أين؟

المصدر: حسام معروف – إرم نيوز

في ظل تدافع حركة النشر الأدبي من جانب المؤلفين الشباب، في السنوات الأخيرة، لاحت على السطح ظاهرة تستوجب التحليل لمعرفة أسبابها، ألا وهي انقطاع الناقد عن المنتج الأدبي الحديث، وعدم قيامه بالدور التكميلي، بل الأساسي، لدوران عجلة الأدب في مسارها الصحيح.

ما كان عليه النقد الأدبي العربي سابقًا، يجعل من الممكن أن نقول بأن الناقد هو ”مخزن الأدب“، فهو بمثابة ذاكرة تركن إليها فنيات المبدع العربي، كما يركن الماء إلى نهره، هو إذن في مساره الصحيح.

إن مهمة الناقد الأدبي مختصرة في جعل النص نقيًا من الشوائب، فالناقد يلمس النص بذهنه، ويخضعه للتحليل، ويقف على تعرجاته،  يظهر القمم الجمالية التي ابتدعها المؤلف، مركزًا على المعنى الخفي لها، ومبرزًا تأويله الخاص، وقد يخطر له معنى لم يخطر في ذهن المؤلف.

كذلك يتناول الناقد النص، فيزيل منه التفاصيل الهشة، ويكشف الفجوات التي غفل عنها الكاتب، وكأنه يقوم بعملية ترميم كاملة، باحثًا عن الأخطاء اللغوية، والسقطات النحوية، والصرفية، التي قد يكون الكاتب غير ملم بها، أو غفل عنها. والناقد هو بمثابة المربي للنص الأدبي، إنها عملية تربية حقة.

هوية جديدة

في عصر صار الكاتب فيه متاحًا على مواقع التواصل الرقمي، حلّت هوية نقدية مغايرة، في الغالب مزيفة، حيث صار كل شخص بإمكانه أن يمارس صفة الناقد، فما عليه إلا أن يقول رأيه في النص، أو القصيدة، أو الفكرة التي ينشرها الكاتب، في ظل انعزال الناقد المتخصص عن تلك المساحة الإلكترونية ولكن ما السبب في أن الناقد فضل العزلة عن المشاركة في الحياة الإلكترونية، بل والأمسيات والفعاليات الثقافية اليومية، واقعيًا؟.

في الغالب يمارس الناقد  المتخصص حياته الاعتيادية، من خلال عمله أكاديميًا في مجاله وتخصصه، فيكون منشغلًا في محاضراته، وتحضيراته، ورسائله للطلاب، لكن هل يكون هذا من الأسباب المؤدية لعزلة الناقد الأدبي؟

لقد أصبح الناقد يوجه كل اهتمامه صوب المؤتمرات الدولية والمحلية، يقدم من خلالها أوراقًا نقدية ودراسات، أبعد البعد عن المشهد الثقافي العربي المعاصر، فأغلب ما يتم تناوله هو عن المنتج العربي التراثي.

كرسي الناقد

من جانب آخر، تلعب دور النشر دورًا مشينًا في تغييب الناقد، من خلال تجاوز دوره في مرحلة ما قبل الطباعة للكاتب، فتقدم عملًا أدبيًا إما غير مكتمل، أو غير مؤطر لغويًا، أو غير مطابق لمعايير النشر، وهو ما فيه ظلم للأدب، وللمؤلف، والحركة الثقافية العربية.

في الغرب تقوم دور النشر بعد التعاقد مع المؤلف، وإبان صدور الكتاب، تقوم أيضًا بالتعاقد مع ناقد أدبي، معتمد ومتخصص، فترسل له العمل، من أجل عمل نقد له، مقابل مبلغ مادي يواكب تعب الناقد، ثم تدفع دار النشر لجريدة لامعة، لنشر المقالة النقدية فيها، إنها خطة لإدارة إطلاق المنتج الأدبي، للحفاظ على حق المؤلف في الظهور، وأيضًا، القيمة للمنتج الأدبي، وكذلك إعطاء الناقد دوره في الحركة الثقافية.

هناك جانب آخر متعلق بعلاقة الناقد بالكاتب، فقد تكون الصداقة بينهما عاملًا في تجنب النقد، منعًا للحرج، أو إثارة المشاكل، أو أن يقدم له نقدًا حميميًا، كنوع من المجاملة، وطريقة لتعزيز طبقات الود بينهما.

الناقد الناشئ

ولا يمكن إهمال الدور المنوط في الجامعات العربية في هذا النطاق، فقد يكون دارس الأدب العربي أكاديميًا، ناقدًا ناشئًا، فإن عملية التوجيه من قبل معلمه تكون دائمًا حركة للخلف، ما يعني نقدًا لتاريخ الأدب العربي، بما أن المعلم غير مكترث للأدب الحداثي وما بعده، يترتب عليه، زج الناقد الناشئ في نفس صيغة العزلة، كدرب آخر من دروب الفوضى.

وكنتيجة حتمية لغياب النقد المسبق، فإن الأرفف في المكتبات، تحمل الكثير من الكتب المليئة بالأخطاء اللغوية، والنحوية، والصرفية، الضعيفة فنيًا، والتي لا قيمة فكرية فيها؛ من ثم لربما تواجدت إحدى هذه الشوائب فيها، ولربما بعضها، أو كلها.

هذا لأن الناقد الأدبي ترك مكانه فارغًا، أو ربما تم إقصاؤه، في وقت يتساءل البعض، هل أصبحت هناك حاجة للناقد في عصر أصبح المؤلف يصنع شهرته من خلال مواقع التواصل الاجتماعي؟ ثم كيف من الممكن أن تقنع شخصًا يحصد مئات الإعجابات بما ينشر، بأن منتجه الأدبي سيئ وبحاجة إلى إعادة ترميم؟ وهل من الممكن ضبط الناشر وإلزامه بعدم النشر، بعد أن يأتيه هذا الشخص ليدفع له مقابل نشر منتجه السيئ؟

في ظل هذه الدوامة صار الناقد خارج الدائرة، وهو ما يطرح سؤالًا كبيرًا: الأدب العربي إلى أين؟

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة