تقنية سينيمائية في سرد ”جمهورية مريم“ لوارد بدر السالم

تقنية سينيمائية في سرد ”جمهورية مريم“ لوارد بدر السالم

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

حيث زمن تداخل الفنون، وانصهار الأدوات الفنية بكافة تنوعاتها، صارت المادة الفنية المقدمة غير خاضعة لطريقة وحيدة في التأويل، وصار بإمكان المتلقي أن يجد الطريقة المناسبة لذهنه؛ من أجل تحقيق تجريبه الخاص، مع المحتوى الفني أو الأدبي، المشتبك معه.

 

ضغط الزمن

تتعدد تقنيات السرد الروائي، والشكل الذي يتم طرح المضمون المراد تقديمه، من خلال الروائي، وهذا يعود للمهارة التي يكتسبها الكاتب، بوسائل، وطرائق مختلفة، مصاحبة للتجريب الدائم، والاحتكاك بوسائل المعرفة، قديمًا وحديثًا.

إن الفكرة التي يطرحها الروائي العراقي وارد بدر السالم، في روايته ”جمهورية مريم“، الصادرة عن دار المتوسط للنشر والتوزيع 2018، هي بمثابة ضغط وتسريع للزمن، سحق وتجريد لتفاصيله، فتلك اللحظات التي قام السالم بتكويرها مفرغًا إياها من أعتى ما يتواجد فيها من تفاصيل، ومشرّحًا ما يغول فيها من عاطفة وإحساس، إنه الواقع الذي يجتره الروائي الماهر، من أسرار تبدو للغير مشاعًا، وقصصًا تحكى على الطرقات.

 

 

في المستقبل

نحن الآن في عام 2033، وقد مضى ثلاثة عقود كاملة على أحداث الرواية، منذ عام 2003، الواقعة الأليمة التي عاشتها بطلة الرواية مريم، وجميع من حولها، وجميع شعبها، في تلك الآونة. فتلك الحادثة كانت جرمًا مكررًا، يحياه أهل بغداد العاصمة، بكل ما فيه من مأساة مكثفة، ومحو للمصير. يقول السالم: ”ولو أنه تاريخ شخصي، لكنه تاريخ بلاد، وعلينا أن لا ننساه“.

تلك الواقعة كانت عام 2003، يوم انقض الملثمون على أهل قرية ثاوية على نهر دجلة، وقاموا باقتلاع كل معنى ممكن للنفس البشرية تحصيله، عن الحياة، كان ذلك ضمن دائرة الفوضى المحكمة، التي تعيشها العقول الجاهلة، حول مفاهيم الطائفية ونزعاتها، التي هي أبعد البعد عن المحور الديني، الذي يدعو إلى السلام. هي فكرة الموت بلا سبب، مهنة التخريب القصوى لكل ما يجعل الحياة ممكنة.

كان الحدث في وجود صحفي ياباني، وفريق عمله من المصورين، لم يكن الحدث الرهيب سوى لحظات في ركوب قارب الموت، على نهر دجلة، وقد كانت هناك فرصة للنجاة للصحفي، والمصور، الذي قام بالتقاط فيديو مصور، للكثير من تفاصيل الاعتداء، وأيضًا كان ممن نجا، أنثى الرواية ”مريم“، المسيحية، التي هربت من قبضة الموت، إلى براح الحب، في لحظة منفردة من الشعور الإنساني.

لقد نجت مريم من مشاهد القتل والتعذيب والجثث، حيث يقول السالم: ”جثث متناثرة لنساء وأطفال، ماتوا أكثر من مرة؛ بسبب شظايا انفجارات الرمانات اليدوية“. مريم التي التحقت بالشخص الذي صار حبيبها وزوجها من بعد. الروائي الذي يحاول أن يكتب رواية عن أحداث ثلاثة عقود مربوطة بخيط من الدم، لكن يعجز في كل مرة من الوصول لشيء يقدم الوصف المعبر.

تكمن الحبكة الروائية في عودة الفريق الياباني للمكان بعد ثلاثة عقود من الحدث الأليم، خلال رحلة عملهم، كمشجعين لفرص تحسين البيئة، للمناطق المعرضة للحروب بشكل متكرر، وتكون الصدفة لقاء مريم وزوجها في الحي الأخضر، هو الحي ذاته الذي تمت إقامته فوق منطقة برية أطلق عليها: مستودع الجثث. هي منطقة متطرفة عن العاصمة التي شاع فيها الخراب. فتكون القناة التي تتفعل من خلالها الذاكرة، هي امتلاك الوفد الياباني، للقطات من الفيديوهات، توثق تلك الحادثة المقربة من الموت، والتي تسهل استعادة أشلاء تلك الذكرى وتجميعها، لتصير جسدًا يتحرك في أذهان مريم وزوجها، فيقول السالم: ”غريبان جمعهما النار والنهر سويًا“، بالإضافة للصحفي الياباني الذي أصيب يومها.

 

 

أكثر من خيال

هذه التقنية التي يستخدمها السالم في روايته، تضفي على العملية السردية الروائية قيمة جمالية، من خلال تقنية الصورة، التي تشكل تفردًا بعقل المتلقي، وتنبت له أكثر من خيال في نفس اللحظة، للإحاطة بكافة التفاصيل، حيث أسئلة الحياة للخراب وقتها، وعاطفة مريم طوال ثلاثة عقود، انطلقت من خرم صغير أحدثه الموت، وتسبب في إخصاب قلبها في نهر ممتلئ باللون الأحمر، وأسرار تلك الجثث التي يقول السالم فيها: ”كثير من الرؤوس، التي عبرت معنا النهر، غطست، ولم تخرج حتى اليوم، أو ربما، انتشلها صياد آخر في النهر“.

 

 

تخثرات

في الرواية عين عدسة مكبرة على الحرب وآثارها، هي الحرب التي تأتي مع كل عدوان للإنسان، بالفكر كان، أم بالسلاح، تلك الأعشاش الكامنة، تخبئ الرصاص، الذي من الممكن أن يكون على شكل فكرة، أو كلمة، أو نظرة، و يكون طوره الأخير هو النار. إنه الوعي الإنساني، يحترق أولًا، ثم ينطلق ليحرق من حوله، من هم مغايرون له في الفكر، والأسلوب في نهج الحياة، الناتج الإجمالي لكل ذلك الصراع، هو الرفض للآخر والخراب، حيث تبرز مؤسسة من السواد، تصنع هياكلها من الفوضى، لتحل مكان التمدن والحضارة، ويتحول النهر الجاري بالمحبة بين البشر، ليصير تخثرات من الدم الفاسد.

 

تذكرة سينما

يأخذك السالم إلى عاطفة غريبة، وكأنك اشتريت تذكرة للسينما، بمجرد فتحك لكتابه، والتداخل مع تفاصيل سرده، تلك الكاميرا التي حملها أبطاله، وتلك العاطفة، المائلة للغصة، بفعل انقضاء الزمن، وبقاء ذيوله الغائرة في النفس الإنسانية، من خلال عملية ديناميكية تجمع المسافات بين الشاردات، التي تم حفظها تكنولوجيًا. هذا النمط من أساليب السرد يحتاج لأدوات مهارية تشبه تقنيات أعقد من عمل الكاميرا ذاتها، التي تقوم بدور الناقل كلوح زجاجي فاصل بين الحدث والذهن، لكن الكاتب الذي يخوض هذا الغمار، فإنه يجب أن يكون دقيق الملاحظة والإحاطة بكافة الصغائر التي يتطلبها السرد، من أجل فض الجدار حول ذهن القارئ.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة