“مي ليالي إيزيس كورابيا”.. تكنيك سردي يوثق معاناة الكاتبة الفلسطينية مي زيادة داخل “بيت الجنون”

“مي ليالي إيزيس كورابيا”.. تكنيك سردي يوثق معاناة الكاتبة الفلسطينية مي زيادة داخل “بيت الجنون”

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

على سكة يندفع عليها قطار من التعاطف، يحاول الروائي الجزائري “واسيني الأعرج”، سرد أحداث الأيام الأخيرة من حياة الكاتبة الفلسطينية المنشأ مي زيادة (1886-1941).

ومن خلال اقتحام لغوي للقب المعتاد سماعه لدى المتلقي، يتقمص اسم “مي” العنصر الإعلاني الأول للرواية، حيث عنون الأديب الجزائري الرواية بلقب ” مي ليالي إيزيس كورابيا” الصادرة عن دار الأدب 2018، وهو الاسم الذي اختارته  زيادة، للتخفي وقتما أصدرت كتابها الأول الذي كان بعنوان “أزاهير حلم”، تحسبًا للرفض المجتمعي لها، علمًا بأن إيزيس كورابيا، هو الاسم المطابق في المعنى لاسم مي زيادة.

بيت الجنون

يحاول الأعرج، من خلال سرده لمأساة مي زيادة أن  يضرب بعصاه اللغوية قصة تم دفنها منذ عشرات السنين، من خلال تكنيك سردي، قد صار مألوفًا لدى العديد من الروائيين العرب والغرب، وآخرهم محمد حسن علوان، في محاولة البحث عن شيء مفقود، ويرهن المتلقي لاهثًا من أجل البحث عنه، وكما كان مع مخطوطة ابن عربي مع علوان، يفعلها واسيني الأعرج في مخطوطة العصفورية المفقودة في “ليالي إيزيس كورابيا”.

مي زيادة الأديبة الشهيرة في القرن الماضي، تعرضت لأقسى أشكال العذاب، من خلال زج عقلها في بيت الجنون، مشفى العصفورية في لبنان، بعد أن اتهمها جوزيف زيادة ابن عمها، وسط تستر من بعض أفراد العائلة، وصمت من الجميع، بأنها على حافة الإنزلاق في الجنون، وكان الهدف الشديد هو التحصل على أملاكها، بعد انزواء والديها في العالم الآخر.

 مخطوطة العصفورية التي فقدت لزمن طويل تسرد رحلة من التعذيب، واختبار قسري لأعمدة ترفع فضاء الذات، تخضع له الأديبة المتهمة بالجنون، تحاول بكل ما تملك من فكر، وقوة في الأدوات أن تنثر التهمة في الفضاء الداكن، فهي المصطادة بشباك الاكتئاب بعد الفقد المتكرر لمن حولها، وآخرهم أمها، وكأنه نافذة خبيثة تعبر منه الشياطين من حولها، كانت تعلقهم في ذاكرتها، في برواز يحيط الطيف الملائكي في عمرها.

انزواء

الجميع كان في ركب من ترك “مي” لمصيرها في العصفورية، تلك المصحة للأمراض النفسية في بيروت، التي اتصفت بأن من يدخلها لا يخرج منها إلا في تابوت رمادي، إلى صقيع المقبرة. وهو ما يثير غضب مي زيادة من الكثيرين، خاصة زملاءها من الأدباء، الذين كانوا يبدون العشق لها والإعجاب، جميعهم تخفى خلف فكرة هي أبعد ما تكون عنها.

تقاوم مي المصير الثقيل على جسدها المنهك، وتتحدى بكل ثقافتها وإرادتها،”لن أسهل للموت مهمته، عليه أن يكره نفسه، قبل أن يجرني من حق الحياة والاستمرار”.

أسلحة “مي” الضعيفة زادتها ضعفًا، فلم يكن إضرابها عن الطعام، وسيلة إلا لجعلها بوزن نصف امرأة، حولتها محاولات اعتراضها على الظلم إلى شبح يملأ الشيب رأسه.

 كانت مي تحترق وهي تواجه ألسنة النار، فخاطبت خالقها : “انزويت تتأملني، كأنك  لم تكن معنيًا بألمي” تداهمها أفواه من حولها في مجتمع العصفورية، فتقول: “من كثرة محاولة إقناع الناس بأن عقلك سليم، تفاجأ بأنك تزج بنفسك في الحالة التي وضعوك فيها”.

تصارع مي زيادة، السيل من التهم في سلامة عقلها، وكانت ترى الكابوس قبل نومها، طريق جديد لم تعتد عليه، مزج بين الألم، والتجاهل، والعزلة، والسجن، والقهر، والإذلال، كل ذلك في العصفورية، وبعد أن تبدأ في التعايش مع الحقبة المأساوية، وتخضع للإطعام القسري، يظهر أمين الريحاني، الصديق القديم، ويشعل الإعلام اللبناني، ودار القضاء من أجل إنقاذها، وبعد معركة قانونية، وخطاب مي زيادة أمام الحشد الكبير من الناس، تفلت مي من المصيدة المتعصية، بدعم من الممرضة سوزان بلو هارت، طيلة فترة اعتصارها في العصفورية.

مؤقت دائم

خيط طويل من الدمع، حاول “واسيني الأعرج” ربطه في وعي القارئ، من خلال لغته السردية التي قلما وجد فيها الطابع الشعري، فلا تركيبات لغوية تدعو للدهشة، بقدر الاقتباسات التي قام بدمجها مما كانت مي تخطه، حيث طغت مناجاتها البائسة لكل شيء حولها، من أجل النزول من فوق الشجرة وإنقاذها.

تخرج مي زيادة من العصفورية، بعد قضائها تسعة أشهر داخل جدران المؤقت الدائم، المؤقت القاتل، لتعيش في بيت أمنه لها أمين الريحاني، وتغادر الحياة في عام 1941 بجملتها : “إني أموت، لكني أتمنى أن يأتي بعدي من ينصفني”.

ازدواجية

محاولًا إثراء الطيف السردي، يتطرق واسيني بين السطور إلى عقلية الرجل الشرقي الازدواجية، في تحويل الأمور لصالحه، مهيمنًا على المرأة، مستبعدًا قدرتها على الإبداع، محتضنًا بطرح الذكورية في النسيج الاجتماعي الشرقي، كاشفًا الجرح الذي تحمله المرأة، يفتحه الرجل كلما أحرقته شهوته، طارحًا رؤية ليست مدعومة في الأروقة الشرقية، عن قدرة المرأة المثقفة على التحدي والاستمرار.

 وحاول واسيني، فتح شباك صغير على الغرفة المحيرة التي  يجلس فيها المثقف العربي، بازدواجيته وأوهامه المرضية وهروبه في المواقف الحاسمة خاصة فيما يتعلق بالمرأة.

الطريقة السردية لواسيني الأعرج، من خلال تثنية الصوت الروائي، ظهرت من خلال الراوي الأول ياسين الأبيض، وهو الباحث عن المخطوطة المفقودة، والراوي الثاني، البطلة مي زيادة، أما المنحنى المرسوم من خلال الأحداث، فكان حالة من النزول من أعلى جبل للتشويق في بداية طريقه السردي في افتتاح الرواية، من خلال البحث عن المفقود، ومن ثم سهل تمهيدي لصعود جبل تشويقي آخر في رحلة إنقاذ مي زيادة من أنياب الصورة الجنونية.

البوكر

الهامش التجديدي في طريقة العمل السردي، لم يكن ظاهرًا، حتى أن “واسيني” نفسه قد اتبع نفس النمط في رواية ” أصابع لوليتا”، ورغم ذلك فإن “ليالي إيزيس كورابيا” تنجح في خوض غمار المعركة، وتتأهل للقائمة الطويلة لجائزة الرواية العربية “البوكر”  للعام 2019.

واسيني الأعرج، ومن خلال قفزاته في عالم الرواية العربية، يعرب عن أنه ليس من السهل كتابة عمل روائي، لربما بسبب بذله المجهود الكبير في التنقل بين فلسطين، ومصر، ولبنان، من أجل جمع خطوط عمله هذا لمعرفة ما ارتكزت عليه حياة مي زيادة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع