”اختبار الندم“ الفائزة بجائزة الشيخ زايد.. تدوين الحرب السورية وإدانتها

”اختبار الندم“ الفائزة بجائزة الشيخ زايد.. تدوين الحرب السورية وإدانتها

المصدر: إبراهيم حاج عبدي - إرم نيوز 

ينجز الروائي السوري خليل صويلح نصه الروائي ”اختبار الندم“، الذي فاز، أخيرًا، بجائزة الشيخ زايد الرفيعة، على وقع دوي الحرب، محاولًا توثيق الخراب ويوميات هذا الكابوس المتواصل الذي يعصف بسوريا منذ أكثر من سبع سنوات.

وعلى غرار رواية سابقة للكاتب عنوانها ”جنة البرابرة“، يستمد صويلح مفردات روايته الجديدة الصادرة عن دار ”نوفل ـ هاشيت أنطوان“ (2017) من قاموس ”العنف“ الذي بات مألوفًا في حياة السوريين، إذ غدت رائحة البارود طاغية بدلًا من عبق الياسمين الدمشقي.

وبرر القائمون على جائزة الشيخ زايد للكتاب اختيار هذه الرواية للفوز في حقل الآداب بالقول: إن الرواية ”تعيش حالة الحرب السورية من الداخل، فيتجول الراوي في أرجاء دمشق محملًا بالتاريخ قديمه وحديثه“، مشيرين إلى أن العمل يجسد ”الأزمات النفسية وتشظي المكان والمجتمع، مما يجعلها إضافة مهمة للرواية السورية في تفرد الأدوات السردية والتراكيب اللغوية“.

ويأتي نص صويلح ملتصقًا بحرارة الواقع اليومي؛ ذلك أن الكاتب يعيش على تماس مباشر مع هذه الحرب، فهو يسمع حكاياتها في مقهى الروضة وسط العاصمة، كما يتابع التحولات التي أصابت المشهد الثقافي السوري بحكم عمله ونشاطه في الصحافة الثقافية منذ سنوات، ويعاين أجواء ومناخات الحرب من خلال جولاته وتنقلاته في الشوارع والأزقة والأحياء، وفي وجوه سائقي سيارات الأجرة، وعند الحواجز التي باتت تقطع أوصال المدينة.

ورغم أن الروائي صويلح يسافر كثيرًا، لكنه سرعان ما يعود إلى دمشق، وهو يقول في حوار سابق معه حول تمسكه بالعيش في هذه المدينة: ”هذا خيار شخصي صرف، فأنا لا أستطيع العيش خارج البلاد أكثر من أسبوع، كما أنني لم أضطر إلى مغادرة بيتي حتى هذه اللحظة، لذلك لم أفكر بأن أصبح منفيًّا، وأحصل على هذا اللقب“.

ويضيف صويلح: ”وجودي في دمشق أتاح لي أن أكون شاهدًا، أقله كي أنجز نصّي هذا، من دون ادعاءات في بطولة لفظية. لست (عنترة)، ولكننا نحتاج إلى (شيبوب) على الدوام، كي يروي الحكاية بلا زخرفة فائضة“.

ومن الملاحظ أن نصوصًا كثيرة حاولت ملامسة الجرح السوري النازف، لكن خليل صويلح من الكتاب القلائل الذين دونوا للخراب من قلب المكان، فهو شاهد عيان على ما يحدث، وتمثل نصوصه، والحال كذلك، أرشيفًا صادقًا لواقع الحال، إذ تختلط صور الموتى بإعلانات الملاهي، وتتداخل عذابات اللاجئين والمشردين بصور التباهي والبهجة لدى محدثي النعمة، وتمتزج البورنو بالورع.. لتشكل لوحة كوميدية سوداء، عن حال بلد تحول إلى ما يشبه ”السيرك“ المفتوح على الكارثة.

وتجتمع في هذا السيرك العبثي شخصيات هشة تحددت مصائرها وفق إرادة ”تجار الحروب“ الذين لطخوا هدوء البلد بالشعارات الوطنية والرموز الدينية والشارات العسكرية، وهو ما يشير إليه الناشر إذ يقول: إن ”اختبار الندم“ تحكي قصّة كاتب بارعٍ في تفويت الفرص، موهوب في بعثرة الكآبة، يعيش محتميًا في فقّاعة هشّة، محاولًا ترويض شياطينه.

ويرى النقاد أن إنجاز نص حول الحالة السورية الراهنة المعقدة هو أشبه بالسير في حقل ألغام، لكن رواية صويلح تنجو من هذا المصير، فهي لا تتورط في طرح الشعارات الكبرى والمقولات الوطنية الجاهزة، ولا ترفع لافتة ”الهويات القاتلة“، والأيديولوجيات المتصارعة، وإنما تهتم بالتفاصيل الصغيرة، وبتلك الندوب الغائرة التي خلفتها الحرب على روح الشخصيات، ساعية إلى الكشف عن ”فداحة الحروب“ بصوت خافت، والاحتجاج على هذا الدمار بالكتابة.

ومن المعروف عن صويلح استثماره للنصوص الأدبية المعروفة، والإحالة إلى نماذج سردية حاضرة في الذاكرة، كما في رواياته ”وراق الحب“، و“دع عنك لومي“، و“بريد عاجل“، وسواها، وهو يواصل في ”اختبار الندم“ هذه الخدعة السردية المحببة، متكئًا على لغة لا تخلو من الشاعرية، ومن التراكيب اللغوية المبتكرة.

ويبرر الكاتب هذا الأسلوب السردي، الذي تتقاطع فيه أصوات أسلافه الروائيين والمسرحيين والشعراء، بالقول: ”إن تداخل النصوص يصبح مخزونًا شخصيًا، تستدعيه اللحظة المكتوبة، وكأن كل ما نحاول إنجازه اليوم، قد أُنجز في الأمس، وتاليًا كل ما علينا فعله هو إعادة تدوير للألم أو الأمل“، وهو يستشهد بمقولة لرولان بارت يخدم رؤيته: لا توجد كلمة عذراء.

يقول الراوي في مقطع يختزل مناخات هذا العمل: ”في الحروب تتشابه الأيّام. يصبح وجودك مصادفة أخطأتها رصاصة. يصبح كلّ يوم يومًا إضافيًّا تعيشه في الوقت الضائع. تنسى أن تنظر في المرآة. تبحث عن وجهك في وجوه الآخرين. تدفن وحدتك في المقهى، في القصص العابرة، في الأحاديث الافتراضية التي تجد طريقها بين وجهَين باكيَين من وجوه (الإيموجيز) على محمولك. الشِّعر يصبح حجّة للتعلّق بفعل الحياة. الحبّ. المغازلة. المواعيد. كلّها تصبح أسلحة لمكافحة القذائف التي إن لم تطَلْك طالت جوهر إحساسك بالوجود. في الحرب تصل الأحاسيس إلى منتهاها. تتجرّد الحياة من مساحيق المهرّج وتبدو عارية على حقيقتها، قاسية على حقيقتها، مروّعة على حقيقتها. وتطفو القصص المدمّاة على السطح“.

يشار إلى أن خليل صويلح من مواليد الحسكة 1959، حائز على إجازة في التاريخ من جامعة دمشق، ويعمل في الصحافة الثقافية منذ مطلع الثمانينيات.

نال جوائز عدة من بينها جائزة نجيب محفوظ للأدب الروائي لعام 2009 عن روايته ”ورّاق الحب“، وجائزة دبي للصحافة سنة 2010.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com