”خورقندي وتوشكى“.. تغريبة النوبي الجديدة عن الأرض والنهر – إرم نيوز‬‎

”خورقندي وتوشكى“.. تغريبة النوبي الجديدة عن الأرض والنهر

”خورقندي وتوشكى“.. تغريبة النوبي الجديدة عن الأرض والنهر

المصدر: نعمة عز الدين ـ إرم نيوز

الشمندورة واحدة من علامات الرواية، ليس في مصر فقط، ولكن في الأدب الإنساني بصفة عامة، كتبها الروائي النوبي محمد خليل قاسم داخل معتقل الواحات.

واستطاع ”قاسم“، أن يكتبها بسن ”قلم كوبيا“، على ورق ”بفرا“، وهربها من المعتقل، بحسب رواية رفيق كفاحه الروائي النوبي يحيى مختار، لتنشر عام 1968 كأول رواية نوبية بالمفهوم الحديث للأدب.

وحينما شعرقاسم، المولود عام 1922 بألم الاقتلاع من الجذور والرحيل، بعيدًا عن قريته قتة النوبية، القابعة على ضفاف النيل، بمجيء تعلية خزان أسوان الثانية سنة 1933، والتي أغرقت مياهه البقية الباقية من أراضي النوبيين ونخيلهم، كتب رائعته الخالدة ”الشمندورة“، تلك الرواية بإجماع النقاد.

وتدور الرواية، حول تأثير التعلية الثانية لخزان أسوان عام 1933 على النوبيين، ولم يتطرق ”قاسم“ إلى سرد تأثيرات السد العالي على حياة النوبيين واستقرارهم، واكتفى بتأثير بناء الخزان، تاركًا ذلك للأدباء من الجيل الذي جاء بعده.

”تهجير النوبيين“

الناقد قاسم مسعدة عليوة، يقول في مقدمة الطبعة الثالثة من الرواية، إنها ”توضح مقاومة الفرد ومجتمعه ضد التهديد بالاندثار، الممثلة في فكرة تهجير النوبيين، فأي مشروعية ستحتفظ بتلك الهوية، فالكارثة قدر محتوم، ومنعها أمر مستحيل، لكن التشبث بما هو مستحيل، قد يؤجل الكارثة، من هذا المنطلق أرسلت العرائض والتلغرافات، وتحركت الوفود، لكن ما من فائدة، فالقرار بتعلية الخزان وتهجير النوبيين الهجرة الأولى نهائي، وأهل النوبة بسطاء فطريون مفعمون بالبراءة، التي لم تلوثها أدران المجتمعات المعقدة، إلا بالقدر الذي يحيق بمن هاجر إلى مدن الشمال طلبًا للرزق“.

لتتوالى بعد ذلك وتظهر جلية روايات وأشعار تشكل في مجموعها، ملامح الأدب النوبي، كجزء من كيان المجتمع المصري والثقافة المصرية بأبعادها المتعددة وتنوعها، مستمدًا الطاقة الإبداعية من الغرق الكامل لبلاد النوبة، بعد إتمام مشروع السد، لتبدأ تغريبة النوبي ولازالت مستمرة.

ليالي المسك

ففي عام 1988، ظهرت مجموعة قصصية للأديب النوبي الهام حجاج أدول، بعنوان ”ليالي المسك العتيقة“، وفاز عنها بجائزة الدولة التشجيعية، وبعده جاء الروائيان يحيى مختار وحسن نور، اللذان يرجع لهما الأثر الكبير في الرواية النوبية، وحدثت بهما الطفرة في هذا المجال، ثم ظهور مجموعة من كتاب القصة والرواية في الساحة، مثل حسين جاسر ومحيي الدين شريف، ومحمد سليمان، ومحمد حسين كاشف، ومحمود شندي وغيرهم.

نصوص روائية، كتبها مبدعو النوبة الكبار، وثقوا فيها بصوت سردي شجي، تغريبة بني النوبة في السنوات الأخيرة، بعد ألم التهجير والرحيل الحزين عن قراهم، بعيدًا عن نخلهم الوارف وبيوتهم الملونة في حضن النيل منذ عام 1902، والتي أحدثت تحولًا تاريخيًا وجغرافيا لحياتهم، وقت بناء خزان أسوان مرورًا بهجرتين في عام1913 وقت تعلية الخزان و1933 وقت التعلية الثانية، ثم في التهجير الأخير أو التغريبة الأخيرة عام 1964 وقت بناء السد العالي.

التحرك الحالي

أهالي النوبة اليوم قطعوا ثلاثة طرق حيوية بالإضافة إلى السكة الحديد، احتجاجًا على اعتراض قوات الأمن لمجموعة نوبية، كانت في طريقها إلى توشكى وخور قندي جنوب أسوان، للاحتجاج على طرح أراضي المنطقتين للاستثمار، باعتبارهما أراضي نوبية خالصة.

ومن حق أبناء النوبة، بعد أن أعلنت الحكومة المصرية الشهر الماضي، عن المرحلة الأولى من مشروع المليون ونصف فدان، وطرح كراسات شروط لـ500 ألف فدان للبيع، في المغرة والفرافر وغرب المنيا وتوشكى.

يخرج السؤال  الآن، هل فقد النوبيون إرثهم الطيب، وروحهم المتسامحة، بعد مرور تلك السنوات الطويلة من الرحيل الأول عن أرض الذهب؟، فلم يعرفوا كالأجيال السابقة من الشعراء والروائيين النوبيين كيف يحولون الغضب الكامن في النفوس إلى إبداع خاص واستثنائي يقطر شعرًا ورواية، تحفظ أهازيج العرس وطقوس الزواج ومعالم البيوت ورقصة الأراجيد الشهيرة، المرتبطة بمواسم الزراعة والحصاد، لتشكل في النهاية خريطة النوبي الواضحة المعالم الإنسانية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com