”محمود درويش“..الشاعر الذي لم يمت حين انتهت حياته

”محمود درويش“..الشاعر الذي لم يمت حين انتهت حياته

المصدر: نعمة عزالدين- إرم نيوز

يبدو الشاعر الفلسطيني الكبير ”محمود درويش“ الذي بدا أنه كتب نهايته بيده، في وصية طالب فيها بنزع أجهزة الإنعاش عن جسده العليل، فاحترمها الأطباء في مستشفى ”ميموريـال هيرمان“ الأمريكية، ليرحل عن دنيانا يوم السبت 9 أغسطس 2008، بعد إجرائه لعملية قلب مفتوح، في مركز تكساس الطبي كطائر. بدا يحلق طوال الوقت في سماء الوطن فلسطين، يراها من فوق ومن بعيد، فيغرد بصوت حزين باسطاً جناحيه، ليضم أبناءه في صدره، يغني عشرات القصائد بآلاف الكلمات، عن قصة النزوح من فلسطين، أو النزوح من الجنة، كما يراها بعيونه، فيحزن عليه والفلسطينيون بمرارة فيخرج الآلاف لتوديعه حينما وصل جثمانه في 13 أغسطس إلى مدينة رام الله ليوارى الثرى.

يتغلغل في قصائد الشاعر الكبير ”محمود درويش“، ضوء الصباح، يتسلل في بطء وسهولة، فهناك طوال الوقت ”تقارير شعرية“ تحكي ساعة اليقظة، قهوة الأمّ، والقهوة مع الحليب، مع الإعلان عن الحالة المزاجية لكل فعل يقع على أرض الوطن الحبيب فلسطين، فهناك دوماً التعبير عن الغضب، الخيبة، الحبّ، التحيّات فتأتي أبرز قصائده تشي بما يعتمل بداخله: سجّل أنا عربي ووطني ليس حقيبة وأنا لست مسافرا ولا تعتذر عما فعلت.

”محمود درويش“.. المولود عام 1941 في قرية البروة، في منطقة الجليل الفلسطينية، قرب ساحل عكا، يعد أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب، الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن، حيث انضمت أسرته إلى اللاجئين الفلسطينيين عام 1948، لتتحول رحلة الشتات عند الشاعر الكبير، إلى شعر يمزج فيه حب الوطن بالحبيبة الأنثى، متنقلًا بين لبنان وسوريا وقبرص ومصر والأردن وتونس وباريس تائهاً منذ عام 1982، على الرغم من شهرته كشاعر تباع دواوينه في بلدان العالم العربي أكثر من مليون نسخة.

البداية كما ترد في جميع الدراسات النقدية، التي تناولت مسيرته الشعرية، الحافلة، جاءت على يد الشاعر والفيلسوف اللبناني ”روبير غانم“، الذي نشر له على صفحات الملحق الثقافي لجريدة الأنوار، التي كان يترأس تحريرها، قصائده الأولى، لينطلق بعد ذلك الشاعر الكبير ويأخذ مكانته المتميزة كشاعر الأرض الفلسطينية، وصوتها المقاوم بضراوة، بجوار قامات شعرية عربية كبيرة، منهم محمد الفيتوري من السودان، ونزار قباني من سوريا، وفالح الحجية من العراق، ورعد بندر من العراق، وغيرهم من أفذاذ الأدب في الشرق الأوسط.

ففي عام 1960، أصدر محمود درويش ديوانه الأول ”عصافير بلا أجنحة“، وفي عام 1964 صدر ديوانه الثاني ”أوراق الزيتون“ وحتى عام 1970، صدرت له مجموعة دواوين هي ”عاشق من فلسطين“، ”آخر الليل“، ”حبيبتي تنهض من نومها“، ”يوميات جرح فلسطيني“، “ العصافير تموت في الجليل“ و“الكتابة على ضوء البندقية“.

في تلك الفترة عاش ”محمود درويش“ في ”إسرائيل“، باعتباره عضوا في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، حياة ثورية تمثلت في أشعاره، التي كان يلقيها في المهرجانات الشعبية، أو ينشرها في الصحف والمجلات العربية الصادرة في ”إسرائيل“.

وفي دراسة نقدية متميزة لديوان “ أوراق الزيتون “ للشاعر محمود درويش، قدم الناقد “ كمال ابراهيم“ رؤيته وتقديره للشاعر الكبير قائلاً: أهم قصائده في هذا الديوان على قضايا الشعب والوطن، ومن الناحية الفنية لجأ إلى استعمال التعابير المؤثرة، الموحية والقريبة من ذهن الشعب وذلك في أسلوب واضح، إذ أراد أن يكون شعره سهلاً وأكثر شيوعاً على ألسنة الناس إذ يقول محمود درويش في إحدى رباعياته في هذا الديوان:

“ أجمل الاشعار ما يحفظه عن ظهر قلب

كل قارئ !

فإذا لم يشرب الناس أناشيدك شرب

قل: أنا وحدي خاطئ ! ”

ويتابع: من خلال دراستي لديوان “ أوراق الزيتون “ توصلت الى أن أفضل قصيدة يمكن أن تمثل مدرسة محمود درويش الشعرية في تلك الفترة هي قصيدة: ”عن الشعر“ التي دعا فيها سائر الشعراء إلى الثورة على المضمون والفن في الشعر، وفي هذه القصيدة يقول:

“ أمس غنّينا لنجم فوق غيمة

ولبدر قرب نجمة

وانغمسنا في البكاء

أمس عاتبنا الدوالي والقمر

والليالي والقدر

وتوددنا النساء

دقت الساعة ، والخيام يسكر

وعلى وقع أغانيه المخدر

قد ظللنا بؤساء

يا رفاقي الشعراء !

نحن في دنيا جديدة

مات ما فات ، فمن يكتب قصيدة

في زمان الريح والذرة

يخلق أنبياء .

كثيرة هي القصائد التي خاطب فيها درويش الموت ومن مقاطع الحديث مع الغياب الأبدي قال :

أيٌها الموت انتظرني خارج الأرض،

انتظرني في بلادِك، ريثما أنهي حديثا عابرا مع ما تبقى من حياتي

قرب خيمتك، انتظِرْني ريثما أنهي

قراءة طرْفة بنِ العبْد. يغْريني

الوجوديٌون باستنزاف كلِ هنيْهة

حرية، وعدالة، ونبيذ آلهة

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com