إِمره كيرتيس.. من قاع المعسكرات النازية إلى قمة نوبل – إرم نيوز‬‎

إِمره كيرتيس.. من قاع المعسكرات النازية إلى قمة نوبل

إِمره كيرتيس.. من قاع المعسكرات النازية إلى قمة نوبل

المصدر: إرم نيوز ـ خاص

”… حتى هناك، بين المداخن، كان في الاستراحات الفاصلة بين العذاب شيء يشبه السعادة“، بهذا الكلام الذي يأتي على لسان البطل يختتم إمره كيرتيس روايته التي ترجمها إلى العربية ثائر صالح بعنوان ”لا مصير“، وبه يعلن الروائي المجري عن موقف مغاير لكل ما كتب، وصور، وقيل عن معسكرات الاعتقال النازية إبان الحرب العالمية الثانية، بل يخالف أيضاً مضامين القص في الصفحات التي سبقت هذه الخاتمة الصادمة.

نشر كيرتيس هذه الرواية العام 1975 وهي باكورة أعماله الروائية، إذ تلتها: ”مقتفو الأثر“ 1977، ”الفشل“ 1988، ”الراية الإنكليزية“ 1991، ”يوميات العبودية“ 1992، ”المحضر“ 1993، ”شخص آخر“ 1997، ”لحظة صمت“ 1998 وسواها من الأعمال التي خولته لنيل جائزة نوبل الآداب العام 2002، لتتخطى شهرة كيرتيس، المولود في بودابست عام1929، حدود بلاده عندما تنبهت دور النشر في مختلف بلدان العالم إلى موهبة أدبية منسية، وراحت تترجم أعماله إلى لغات عدة.

من دون كثير عناء يكتشف القارئ المطلع على سيرة حياة كيرتيس أن هذه الرواية تتناول محطة مهمة من سيرة حياة الكاتب نفسه، فالرواية الصادرة عن دار المدى دمشق – 2005 تتحدث عن حياة سجين في معتقلات آوشفيتز النازية، والمعروف أن كيرتيس تعرض لهذه التجربة القاسية حيث اعتقل في هذا المعسكر وقضى سنة كاملة فيه 1944 ـ 1945، ليعود بعد ثلاثة عقود الى سرد هذه التجربة في رواية استغرقت كتابتها عشر سنوات.

ولم يشفع له هذا التأني في الاعتراف به، فقد لازم الفشل كيرتيس طويلاً، وكتب رواية تحت هذا الاسم ”الفشل“ يشرح فيها معاناته في إثبات نفسه كصوت روائي جدير بالاعتراف به.

وهو من القلائل ممن تجاهلتهم بلاده بينما اهتمت به دولة أخرى، هي ألمانيا، حتى قبل حصوله على نوبل.

ويعزو المترجم هذا الاهتمام الألماني بكيرتيس، إلى أن الأخير جعل من الهولوكوست المحرقة النازية محوراً لأعماله، معتقداً بأن هذا الأمر يقدم جواباً عن سبب الاهتمام الألماني به. فقد قارب كيرتيس الوعي الألماني للهولوكوست من زاوية جديدة غير معروفة أثارت فيهم الحيرة وأربكتهم بصفته شاهداً على آوشفيتز وبوخنفالد.

ويقول المترجم ان ”مقاربته للمحرقة بسيطة للغاية، إنسانية، لا يوجد فيها ما هو شيطاني أو عجائبي“ على النحو الذي تصوره هوليوود مثلاً، فهو يعرض الحياة البشعة في معسكرات الاعتقال في شكلها الواقعي من دون افتعال، وبعيداً من المبالغة.

هذه الرؤية المعتدلة، المتخففة من أي نزعة انتقامية، تتحقق في روايته ”لا مصير“ التي تتناول ظروف الحياة القاسية والصعبة في معسكرات الاعتقال في صورة مكثفة وهادئة، ليس فيها أي ملمح للحقد، بل يسعى الكاتب، بحياد، إلى رصد حياة بطل الرواية المجري اليهودي جورج كفش الذي يؤخذ في نهاية الحرب العالمية الثانية من شارع في ضواحي بودابست إلى معسكر الاعتقال النازي الشهير آوشفيتز ثم إلى بوخنفالد ومنه إلى معسكر صغير هو تسايتس.

رواية ”لا مصير“، إذاً، تتحدث عن الحياة الصعبة في تلك المعسكرات، يروي تفاصيلها بطل الرواية كفش الذي يقلب صفحات الذاكرة البعيدة، ويفتش في دفاتره كسجين سابق ليقدم صورة قاسية عن ظروف الاعتقال من وجهة نظر راو شاب لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره يختزن في دواخله قصصاً وحكايات كثيرة عن تلك المعتقلات.

يدون البطل كل ما احتفظت به ذاكرته الغضة، يتحدث عن الصداقات التي ربطته مع بعض مواطنيه المجريين، عن طريقة النوم والأكل والعمل، عن ساعات الاستراحة، والهموم والمخاوف، عن أسلوب التعامل، وعن الأحلام والآمال التي كانت تنمو وتكبر في تلك المساحات المعتمة والضيقة، عن الملل والسأم. إنه ضيف على العبودية، و“العبودية عبارة عن يوم اعتيادي كئيب“، وكثيراً ما يطرح على نفسه سؤالاً مريراً لا يجد له جواباً وهو: لماذا يوجد في هذه المعسكرات؟ أو ما الذنب الذي اقترفه؟ ويطلق صيحة موجعة: ”كم هي باردة الصباحات في آوشفيتز“.

لا يعتبر الراوي ما شاهده في معسكرات الاعتقال شيئاً غير طبيعي، بل ان ظروف الاعتقال لا بد من ان تكون هكذا، لكنّ ما هو غير طبيعي معسكرات الاعتقال نفسها. هنا يقدم صورة مغايرة عبر استناده إلى الذاكرة التي تحذف وتضيف، وتعجز أحياناً عن استحضار صور القسوة، وتطمئن إلى نعمة النسيان ورهافة الحنين: ”الجميع يسأل عن الصعوبات؛ الفظائع: بينما الذكريات هي ما يبقى محفوراً في الذاكرة. نعم، يجب أن أحدثهم عنها، عن السعادة في معسكرات الاعتقال…“.

يتناول كيرتيس في هذه الرواية قضية إشكالية تتمثل في العلاقة بين المصير والحرية، ويشير إلى فكرة أن الإنسان لا بد له من الاستمرار، فثمة استحالة في البدء بحياة جديدة منقطعة عن الماضي، لأن الإنسان دوماً يواصل حياته القديمة على رغم المنعطفات، إذ لا يمكن محو الذاكرة، وفتح صفحة منفصلة عما مضى، ليستنتج، كما يقول بطل الرواية: ”لا أستطيع البدء بحياة جديدة إلا إذا ولدت من جديد“.

ومع أن المترجم يتحدث في مقدمته عن اللغة المعقدة للرواية، غير أن قارئ النص المترجم إلى العربية لا يلمس ذلك، فاللغة هنا سلسة وصريحة، ويستخدم الكاتب ضمير المتكلم مع استخدام الفعل الماضي، ويغلب على بعض مواقع العمل طابع المونولوغ الذي يستبطن دواخل الشخصية. لكنّ هذه التقنية تأتي في سياق تفاعل بطل الرواية وتأثره بالأحداث التي تجري أمامه، والمشاهد والأماكن التي يصفها بدقة وإتقان.

يتحدث كيرتيس ـ في حوار ـ عن تأثره بعظماء الأدب من أمثال فولتير وكامو وفلوبير ودوستويفسكي وكافكا… وغيرهم ممن أثروا في أسلوبه الذي يقدم هنا وجهة نظر مختلفة عن معسكرات الاعتقال النازية.

وبصرف النظر عن مدى صحة هذه الرؤية، المتسامحة إلى حد بعيد، غير انه رأي يجب أن يؤخذ في الاعتبار، لا سيما انه يصدر عن كاتب عاش التجربة في صورة واقعية. ومع ذلك ليست الرواية، أي رواية، وثيقة تاريخية، بل عمل فني، وبالتالي ثمة هامش واسع من الحرية متوافر للكاتب لقول رأيه بلا رقيب أو محاسبة. وبذلك لا يمكن الاعتماد على هذا النص عند محاولة البحث في تفاصيل الحياة الحقيقية في معسكرات الاعتقال النازية، وان كان هذا العمل يوثق كثيراً من الأحداث والوقائع. ولكن يبقى الفن فناً، بينما المؤرخ هو المعني بالوثيقة، إذ يبحث في الماضي عن جوانب أخرى، وبالضبط، تلك التي أغفلها الأدب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com