مقهى الفيشاوي.. ملهم الأدباء وكاتم أسرار الملوك (صور) – إرم نيوز‬‎

مقهى الفيشاوي.. ملهم الأدباء وكاتم أسرار الملوك (صور)

مقهى الفيشاوي.. ملهم الأدباء وكاتم أسرار الملوك (صور)

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

تدلف بخطوات بطيئة من شارع ضيق عبر سوق ”خان الخليلي“ في القاهرة فيبدو مقهى ”الفيشاوي“ مبدعًا وملفتًا للنظر، مجاوراً المشهد الحسيني، إذ تشاهد تلبيسة المشربية الخشبية والجدران المطلية باللون الأصفر، فتجلس منتشياً وتطلب كوباً من الشاى بالنعناع الأخضر المشروب الشهير للمقهى ورواده.

ويأتى إليك المشروب ساخناً، في أقداح زرقاء داكنة، وصواني ذهبية كبيرة، وتصب في أكواب مزخرفة، في حين تظهر الثريات الضخمة والمرايا مؤطرة في الخشب، في هذه اللحظة يعتريك شعور أنك في حضرة مئتي عام مضت.

01

البدايات

قبل نحو 240 عامًا، كان هناك رجل يدعى ”فهمي علي الفيشاوي”، بدأ بتقديم القهوة فقط إلى أصدقائه والزائرين لمنطقة الحسين في زقاق حي ”خان الخليلي“ في القاهرة، مساء كل يوم بعد صلاة العشاء، حتى أصبحت تعرف باسم ”قهوة الفيشاوي“.

وبداخل المقهى تجد الفيشاوي الكبير ينظر إليك ويرحب بك من خلال صورة ضخمة وضعت في إطار يحكي أصالة وعمارة المقهى، وهو يمتطي جوادًا يختال به فخرًا، حيث يومئ الفيشاوي إلى ناظره بالنظر في مرآة عتيقة تأخذ جانبًا كبيرًا من المقهى، أبدع صانعها في تزيينها بالأرابيسك النادر، تشد الناظر إليها فيتأملها من جوانبها الأربعة، ولكل جانب منها عبق كلاسيكي مميز يعكس شكلا آخر لمرآة أخرى، وضعت في آخر الممر توهم الجميع أن هناك ممرًا آخر، حتى تصطدم به فتتوقف لتتأملها، فهي عبارة عن أثر تاريخي يندر وجوده، ورائع في تصميمه.

02

كما توجد سجادة حريرية، رسمت عليها مشكاة تطل منها الزهور، أهداها ملك الأفغان للمقهى، بالإضافة إلى الأواني النحاسية المزخرفة المصنوعة بيد أمهر حرفيي مصر والفناجين والأواني الخزفية التركية، أو التي جاءت من بلاد شرق وأواسط آسيا.

وأول ما يشد انتباهك داخل المقهى، غرفة صغيرة أشبه بمتحف وأثر معماري، اعتاد أن يجلس بها، الأديب نجيب محفوظ والعندليب عبد الحليم حافظ، تحوي بداخلها مرآة ثلاثية فريدة وساعة حائط كبيرة، يرجع تاريخها إلى العصر التركي، إلى جانب راديو أثري قديم جدًا، بالإضافة إلى نجفة ضخمة يرجع تاريخها إلى عام 1800م، تزين هذه الغرفة، ولا يستطيع أحد دخولها أو الجلوس بها، إلا لمن اعتاد التردد عليها، أمثال عمرو موسى والعندليب ومحفوظ.

03

أجواء المقهى

وفي أعلى سقف الغرفة تشهد الإثارة الكلاسيكية والثقافية، حيث تجد قناديل تفنن الصانع في إبداعها، وتبهرك أجواء المقهى، فتجعلك لست في عجلة من أمرك، أثناء انتظارك لمشروبك، تتنقل عيناك بفضول في محتويات غرفة يطلق عليها غرفة ”البوسفور“، وهي مبطنة بالخشب المطعم بالأبنوس، وأدواتها من الفضة والكريستال والصيني كانت مخصصة للملك فاروق، وكبار ضيوف مصر من العرب والأجانب.

وينتابك شعور خفي بأنك ربما تجلس على مقعد الشاعر الساخر ”عبد الحميد الديب“، الذى كان من رواده الدائمين في الأربعينيات، حيث كان يلتقي بشاعر النيل حافظ إبراهيم ويجلسان لتبادل الأحاديث والنوادر والقفشات مع رواد المقهى من البسطاء والدراويش.

ويذكر رواد المقهى دائمًا، أديب نوبل ”نجيب محفوظ“ والذي كان من عاداته اليومية، بعد خروجه من عمله في إدارة القرض الحسن، التابعة لوزارة الأوقاف، أن يمر على المكتبة المجاورة للمقهى، ليشتري ما جد من الكتب والدوريات، ثم يصل إلى المقهى في تمام الثانية والنصف ظهرًا، ليلتقي بأصدقائه وتلاميذه، من أمثال الأديب جمال الغيطاني، ويوسف القعيد، ورجاء النقاش وغيرهم.

تحاك الأساطير ويلف الغموض صاحب المقهى، المعلم ”فهمي على الفيشاوي“ وعلاقته بالإمبراطورة ”أوجيني“ زوجة الإمبراطور ”نابليون الثالث“ إمبراطور فرنسا، أثناء زيارتها لمصر، وأثناء حفلات افتتاح القناة.

ففي أثناء جولة الإمبراطورة بالمنطقة القديمة، ومشاهدتها للجوامع الأثرية بشارع المعز لدين الله، ألمت بها وعكة خفيفة من شدة الحر، ولم يكن هناك مكان قريب لتستريح فيه الإمبراطورة المتوعكة غير مقهى الفيشاوي، وبالفعل هرع الحرس إلى المقهى لتنظيفه وتهيئته لاستقبال الإمبراطورة.

القصور الخديوية

واقترح الحرس على المعلم ”الفيشاوي“ إحضار أطقم للشاي والقهوة من القصور الخديوية لتليق بمقام الزائرة، لكن المعلم رفض ذلك، وقال إن لديه مقتنيات من الأطقم الخزفية والأكواب الزجاجية ليس لها مثيل في أعظم القصور الخديوية، ووقف المعلم ابن العشرين ربيعًا والذي كان يعرف بالألفي ”لمضاجعته ألف امرأة منذ بلوغه”، على باب المقهى، لاستقبال الإمبراطورة والترحيب بها في المقهى.

ووفي اليوم التالي، طلبت الإمبراطورة أن يتم إحضار المعلم صاحب المقهى كي يعد لها الشاي الأخضر المعطر بالنعناع في قصرها، وذهب الرجل إلى القصر وأعد لها الشاي الأخضر المعطر بالنعناع وسقاها بيديه أيضًا.

05

ماذا قال المعلم ”الفيشاوي“ للامبرطورة ”أوجيني“؟.. هذا ما أرادات الإذاعة البريطانية أن تعرفه حينما أرسلت مندوبًا لها إلى القاهرة، وجاء إلى المقهى ليعرض على المعلم ”شيكًا على بياض“ مقابل أن يخبره عما دار من حديث مع الإمبراطورة ”أوجيني“ عندما التقاها منذ 70 عامًا؟، ولكن المندوب كان ألقي خارج المقهى، بعد أن أتم سؤاله على العجوز الذي قارب المائة من العمر، دون أن يتلقى إجابة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com