ما الذي تركه المغربي الطيب الصديقي للمسرح بعد رحيله؟ – إرم نيوز‬‎

ما الذي تركه المغربي الطيب الصديقي للمسرح بعد رحيله؟

ما الذي تركه المغربي الطيب الصديقي للمسرح بعد رحيله؟

المصدر: وداد الرنامي- شبكة إرم الإخبارية

رحل المبدع المغربي، الطيب الصديقي، الجمعة، بعد أن سخّر حياته للبحث والتنقيب في أعماق التراث العالمي والعربي والمحلي؛ لينتج مسرحا منسجما مع خصوصية محيطه، ويؤسس دعامات المسرح المغربي ويساهم في تطور المسرح العربي الحديث.

وبحكم نشأته في أسرة مثقفة وعاشقة للقراءة، انتبه ”الطيب الصديقي“، لفن المسرح منذ كان في السادسة عشرة من عمره بتشجيع من شقيقه الأكبر، رغم أنه لا يمكن الحديث عن وجود مسرح في المغرب خلال الستينات، وثقف نفسه بقراءة روائع المسرحيات العالمية لموليير وشكسبير وصامويل بيكيت، ثم اكتشف بعدها آليات الاشتغال عليها، مستفيدا من احتكاكه بمخرجين كبار، كما تعرف إلى الثرات العربي من خلال قراءات والده، التي مكنته من الاطلاع على الموروث العربي القديم.
3 (1)

إلا أنه أدرك، مبكرا، أن الاقتباس سيجعل المسرح المغربي والعربي، عامة، تابعا للثقافة الغربية، وعبر عن ذلك في أحد حواراته قائلا: ”عندما بدأت أقارن ما لدينا وما عند الغرب، اقتنعت أنه لا يمكن إيجاد مسرح مغربي وعربي بالتقليد. إننا بالتقليد لا يمكن أن نقدم موليير – مثلا – أحسن من الفرنسيين، أو نقدم روائع ويليام شكسبير أبلغ من الإنجليز. المطلوب هو البحث عن صيغة مسرحية عربية للفرجة تناسب الذوق العربي وتتلاءم والخصوصيات المحلية ذات الدلالات الإنسانية“.

بدأ ”الصديقي“ ينقب في الثرات المغربي، وخاصة الأدب الشفوي المنقول من جيل لآخر، وكذا الأشكال الفنية السائدة آنذاك وعلى رأسها فن ”الحلقة“، دون أن يغفل الموسيقى والرقص المغربيين بكل أشكالهما/ خاصة فن ”الملحون“ الذي يتميز بدرجة عالية من اللغة والصور الشعرية، زيادة على الترانيم الدينية التي كانت تردد في حلقات الذكر، وحتى تلك التي كان يترنم بها ”المجاذيب“ (أشخاص زهدوا في الحياة).

1

وظف الفنان كل هذه العناصر؛ لإنتاج فرجة مسرحية جديدة، وقريبة من المتلقي المغربي حتى لا يبقى المسرح حكرا على المثقفين.

كما تخلص ”الصديقي“ من مسرحية الموضوع أو القصة الواحدة، وأنشأ ما يسمى بمسرح “ البساط“، وهو عبارة عن مجموعة من المستملحات والقصص القصيرة في قالب موسيقي شعري تغيب فيه البطولة المطلقة، وكان يسميه بـ“المستظرف من كل طرف“.

وركز بشكل كبير على جمالية الأزياء وألوانها المبهجة، وتغيير الديكورات باستعمال القليل من الأشكال والمواد، ووظف ثنائية الظل والضوء على الخشبة، ومن مسرحياته الخالدة “ الحراز“ التي ضمت أسماء فنية مهمة في بداياتها مثل: محمد مفتاح، ومجموعة “ ناس الغيوان“، ومجموعة ”جيل جيلالة“.

2 (1)

ولم يكن الراحل  محدود الآفاق منغلقا على المسرح المحلي، فطالما حلم بمسرح عربي لا يؤمن بالحدود، لذا وظف اللغة العربية الفصحى بشكل كبير في كل عروضه حتى يتمكن من تقديمها في كل الدول العربية، كما أخرج مسرحيات للكثير من المبدعين العرب مثل: ”رسالة الغفران“ للتونسي عز المدني، والنقشة“ للجزائري أحمد الكومني، ومسرحية الفيل والسراويل“ لـفرقة “ بيت الكرمة“ من فلسطين، وقدم عروضا مشتركة أشهرها ”ألف حكاية وحكاية من سوق عكاظ“ مع فرقة ”الممثلين العرب “ من بطولة ”نضال الأشقر“.

ولم تكن علاقة ”الطيب الصديقي“ بالمسرح العربي علاقة تعاون متبادل وحسب، لكنها كانت علاقة بحث وتأسيس، حيث اكتشف من خلال قراءاته في الثرات العربي: ”أن هذا المسرح في صيغته العربية وبالمفهوم الحديث أقدم من المسرح الأوروبي والفرنسي والإنجليزي بقرون“، من هنا جاء إصراره على تقديم فرجة مسرحية عربية مستمدة من الثراث العربي كخزان حقيقي للشكل المسرحي الملائم لصياغة الفرجة العربية ”، فأخرج مسرحية ”الإبداع والمؤانسة“ و“ أبو نواس“، وقدم “ مقامات بديع الزمان الهمذاني“ على طريقة مسرح “ البساط“ الذي ميزه.

ورغم أن الطيب الصديقي معروف بتمسكه الشديد بآرائه وصعوبة النقاش معه، لكنه مع ذلك كان يحب النقض وإن أغضبه ”لأن الصمت والسكوت على عمل إبداعي هو قتل للإبداع“.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com