الإسكندرية.. مدينة الغواية والإبداع – إرم نيوز‬‎

الإسكندرية.. مدينة الغواية والإبداع

الإسكندرية.. مدينة الغواية والإبداع

المصدر: القاهرة – نعمة عز الدين                                            

خمسون مدينة في مشارق الأرض ومغاربها، تحمل اسم ”الإسكندرية”، ولكن أين عشاق تلك المدن ومريدوها؟ أين قصائد الحب ونظرة الفنانين من فضاءاتها وشوارعها وحواريها؟ أين الروايات والكتب التي تتحدث عن الإمبراطوريات التي قامت بها والجيوش التي غزتها وانهزمت؟

 أينما وجهت بوصلتك المعرفية لتعرف شيئاً عن تاريخ تلك المدن السكندرية، ستجد مدينة ساحرة وهادرة، تقبع بشموخ يليق بتاريخها العتيق على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. إنها الإسكندرية المصرية.

”الإسكندرية المصرية“ أغوت الجميع من الآف السنين، من كتاب وشعراء وفنانين ومغامرين ورحالة، فالكل يأتي ربما زائراً أومقيماً، ليقع أسير هواها وغموضها وفتنتها التي تحتضن الجميع، وفي ”الإسكندرية“ عاش الجمع الإنساني من مصريين ويونانيين وفرنسيين وإنجليز وغيرهم، فهي مدينة ”كوزموبوليتان“ بامتياز أو كما وصفها أمير الشعراء أحمد شوقي: ملهمة القصيد، وخميلة الحكماء والشعراء.

قسطنطين كفافيس

من أشهر دراويش الإسكندرية، وعشاقها، الشاعر اليوناني الكبير ”قسطنطين كفافيس“، والذي تظل قصائده عنها، وثيقة حب وعرفان للمدينة الملهمة، فقد كان المنزل الكائن في شارع شرم الشيخ، والذي كان يسمى بشارع لبسيوس، محلاً لإقامة شاعر اليونانية الكبير المولود في الإسكندرية في العام 1863م، وبعد وفاته تحول المنزل بأكمله، إلى فندق متواضع، إلا أن الحكومة اليونانية تدخلت لشرائه، لتحوله إلى متحف يحمل اسم ابن الإسكندرية، اليوناني الأصل.

المتحف عبارة عن ست غرف، يستقبلك في طريقك إليها تمثال نصفي رائع لكفافيس، ويضم المتحف بين جنباته كل ما تبقى من ميراث ”كفافيس“ لمعشوقته الإسكندرية، من قصائد ورسائل ومخطوطات، إضافة إلى غرفتي نومه ومكتبته، اللتين تم الاحتفاظ بهما على نفس الحال أيام حياته فيهما، كما تزين جدرانه، اللوحات التي رسمها له فنانو الإسكندرية واليونان من أصدقائه.

يفسر الشاعر جمال القصاص، غواية الإسكندرية لأهل الأدب والشعر, قائلاً: ”الإسكندرية مدينة لا تشيخ، وقيمتها تمتد في الزمان والمكان، وتكمن عبقريتها في قدرتها على استيعاب حضارات كثيرة على مدى تاريخها الفرعوني اليوناني الهيليني القبطي الإسلامي دون أن تطمس هويتها أو ملامحها الخاصة، لذلك صارت بمثابة مسرحا مفتوحا على شتى الأزمنة والأمكنة.

محمود سعيد

ويُعد الفنان التشكيلي الكبير محمود سعيد، السكندري المولد والهوى، أحد الأوائل من رواد الفن المصري الحديث، وواحد من أهم وأبرز فناني الحركة التشكيلية المصرية الحديثة.

وتمثل لوحة ”بنات بحري“، التي تجسد فتيات رأس التين المعروف باسم حي الجمرك، وأيضاً حي بحري، أشهر لوحاته على الإطلاق وقد رسمهن في ردائهن بالملاءة اللف السكندرية، ومشية شعبية أخّاذة تبرز دلالهن وجمالهن.

ومن الطرائف التي صاحبت رسمه لإحدى لوحاته الشهيرة، بعنوان ”بائع العرقسوس“، كما يرويها الكاتب ”بدر الدين أبوغازي“، وزير الثقافة المصري في كتابه المعنون ”محمود سعيد“: أنه برغم انتقاله للسكن بالقاهرة، ووجود مسكن آخر له بحي جناكليس بالإسكندرية، إلا أنه كان يحن لمسقط رأسه بالحي الشعبي، بالقرب من مسجد المرسي أبي العباس، وكان يجلس على أحد المقاهي الشعبية، فإذا به يعجب ببائع العرقسوس، وسرعان ما طلبه واتفق معه على أن يرسمه بحالته كبائع عرقسوس، وقد تم ذلك على مدار ثلاث جلسات فنية، تمت بمحطة الرمل بالإسكندرية.

وجمع محمود سعيد بين الفن والقـانون ودرسهما معا، فالشاب الذي قرر له والده أن يتزوج مبكرًا من إحدى فتيات العائلات الكبيرة، والمحاط بسيدات الطبقة الراقية، رحل يبحث في حواري الإسكندرية عن هاجر وحميدة ونبوية وداجية ونعيمة وبدرية وغيرهن، من سيدات لوحاته الأثيرات، فهن قادرات على حمل المعاني العميقة، فمشاعرهن حادة لم تغلفها هالة التحفظ، ولم يحطن بسياج من التكلف.

إدوار الخراط

ويقول الكاتب الكبير ادوار الخراط، عراب الإسكندرية وشيخها الأكبر والذي غيبه الموت العام الماضي، عن معشوقته الإسكندرية: ”لعلني لا أعرف كاتبا آخر في العربية، توله بعشق هذا الموقع، الحلم، الواقع كما فعلت، ومهما كان من حفاوة كاتب مثل نجيب محفوظ بأزقة وحواري الجمالية، أو كاتب مثل عبد الرحمن الشرقاوي، وغيره من كتاب الريف، بقراهم، فقد كانت المدينة الأرض عندهم فى نهاية الأمر، ديكورًا خلفيا، أو فى أحسن الأحوال موضوعا أو ساحة للفعل الروائي“.

لكن الإسكندرية عند الخراط، هي نفسها الفعل الروائي، بمعنى ما، هي قوة فاعلة وليست مادة للعمل، ولا مكان له، كما يقول الناقد ”فتحي أبو رفيعة“، عن مدينة الإسكندرية في إبداع إدوار الخراط“.

ففي رواية ”ترابها زعفران“ يقدم الكاتب الكبير إدوار الخراط، باقة حب ولوحة شديدة البهجة والثراء عن مدينته الأثيرة إلى قلبه الإسكندرية، بجانب طفولته وصباه في ربوع الإسكندرية، فيسرد تفاصيل حياة المجتمع السكندري بطوائفه العديدة، وطبقاته الاجتماعية المختلفة، فنرى عمال المصانع والميناء والتجار والطلبة والفقراء والأثرياء، في فترة الفوران الثوري إبان الحرب العالمية الثانية.

يا حبيبة قالوا كتير عنك وكتير اتقال

قالوا مارية وصبية ومليون موال

وهبوكي للبحر عروسة

ومهرك بوسة

على شط مصر المحروسة

بتزيده جمال

هكذا ستبقى الإسكندرية .. مدينة الغواية والإبداع.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com