ثقافة

مع غلاء الأسعار وضعف الإقبال على الكتب.. مكتبات الرصيف تزدهر في تونس
تاريخ النشر: 16 يناير 2022 13:13 GMT
تاريخ التحديث: 16 يناير 2022 15:20 GMT

مع غلاء الأسعار وضعف الإقبال على الكتب.. مكتبات الرصيف تزدهر في تونس

لكل شارع في تونس حكاية ولكل ممر نشاط تجاري يكاد يتحول إلى علامة مميزة يعرف بها دون سائر الممرات والساحات التي تتداخل بشكل معماري له أبعاده التاريخية في مدينة

+A -A
المصدر: ريم بن محمد - إرم نيوز

لكل شارع في تونس حكاية ولكل ممر نشاط تجاري يكاد يتحول إلى علامة مميزة يعرف بها دون سائر الممرات والساحات التي تتداخل بشكل معماري له أبعاده التاريخية في مدينة تونس العتيقة.

وقد لا يشذ نهج (ممر) ”الدباغين“ عن تلك القاعدة، إذ أصبح ذلك الشارع الواقع في قلب العاصمة تونس، قبلة محبذة لعشاق الكتب النفيسة والمؤلفات النادرة وسائر أنواع الكتب والمنشورات، وبمثابة الملاذ الذي يلجأ إليه الطلبة والباحثون وهواة المطالعة. حيث كثيرا ما وجدوا ضالتهم على رصيفيه الممتدين واللذين تزينهما آلاف الكتب الملقاة على قارعة الطريق والمنشورات القديمة والمؤلفات المتروكة التي قد لا يجدها مريدوها إلا في مثل تلك السوق المميزة للكتب القديمة في العاصمة تونس.

نهج الدباغين، الذي يستمد اسمه تاريخيا من كونه قد كان مخصصا في الخمسينيات من القرن الماضي وأثناء فترة الاستعمار الفرنسي لتونس لمحلات صباغة الجلود، أصبح أشهر الأماكن التي تعرض فيها الكتب القديمة، فبعد اندثار محلات صباغة الجلود، استغل بعض باعة الكتب القديمة الشقق والدكاكين الضيقة والآيل بعضها للسقوط وصنعوا من واجهاتها وجدرانها وغرفها مكتبات تفيض بالكتب المرصوصة دون نظام لكنها تكتسب من تلك الفوضى شيئا من جمالها وخصوصيتها بحسب عدد من مرتاديها.

ملاذ لعشاق الكتب والمخطوطات

ينحني عادل بن ناصر وهو مهندس تونسي شاب، في الثلاثينات من عمره، على كتاب ملقى على قارعة الرصيف في نهج الدباغين، ثم لا يلبث أن يرفع نظارته قليلا ويشرع في تقليب صفحات الكتاب القديم الذي لاح الاصفرار على أوراقه لكن عادل المولع بمطالعة الكتب والروايات باللغة الفرنسية يبدو منغمسا في الاطلاع على بعض مضامين الكتاب قبل الحديث مع البائع حول سعره الذي يختلف كليا عن ذلك المدون في آخر صفحة.

ويعتبر عادل في حديثه لـ“إرم نيوز“ أن التعريج على الأقل مرتين في الأسبوع على سوق الكتب القديمة في نهج الدباغين الشهير أو بعض الأنهج الصغيرة المتفرعة عنه أصبح بمثابة العادة التي لا يمكنه التخلي عنها، بل إنه لا يرى حرجا في قضاء ساعة أو أكثر في التنقل بين رصيفي الشارع وتقليب بعض العناوين لإشفاء غليل حبه للمطالعة أو البحث عن كتب متخصصة.

يقول بن ناصر: ”عند مروري بوسط العاصمة أجد نفسي منجذبا إلى هذا النهج وإلى الانحناء على المكتبات الملقاة على قارعة الطريق، قد لا تتوفر العناوين التي أحبذ قراءتها في المكتبات التي تعرض الكتب الجديدة، أو أن أسعارها هناك تكون مشطة، كثيرا ما عدت إلى البيت بكتب نادرة وثمينة دون أن أدفع مالا كثيرا مقابل ذلك“.

وفي بلد لا تتجاوز مؤشرات المطالعة فيه 0.6 كتاب للفرد في العام الواحد، حسب أرقام رسمية لوزارة الثقافة في تونس، وفي ظل ارتفاع أسعار الكتب الجديدة، أصبحت أسواق الكتب القديمة في تونس خلال السنوات الأخيرة ملاذا لهواة القراءة وللطلبة والباحثين والأدباء والكتاب وسائر المهتمين بالمطالعة؛ وذلك بفضل الأسعار المتدنية التي تباع بها الكتب هناك فضلا عن وجود عناوين نادرة وقديمة جدا لم تعد تستهوي دور النشر أو المكتبات الحديثة لطباعتها وعرضها.

تلك المكتبات الضيقة والتي لا يصنف المشرفون عليها الكتب حسب نوعها أو تخصصها، حيث تبدو متراكمة ومتراصة إما في رفوف صغيرة أو في مخابئ بالجدران أو حتى في صناديق بلاستيكية صغيرة، أصبحت مكان عمل عدد ممن استهواهم مجال بيع الكتب القديمة فتحولت علاقتهم مع الكتاب إلى رحلة حياة ومصدر رزق بحسب البائع رمزي طرخاني.

ويقول رمزي: ”كثيرا ما يجد مرتادو سوق الكتب القديمة في هذا النهج ضالتهم ويعثرون على العناوين التي يبحثون عنها، نساعدهم أحيانا في إيجاد الكتب التي جاؤوا من أجلها، أعتقد أن الأسعار المناسبة والرمزية لبعض الكتب تمثل حافزا للباحثين والطلبة وهواة المطالعة للتردد على محلاتنا وذلك على الرغم من تزايد الإقبال على المطالعة الالكترونية أو مزاحمة محلات أخرى للمكتبات وهو ما يهدد سوق الكتب القديمة.

أسعار رمزية

وتستهوي الأسعار الرمزية للكتب القديمة رواد نهج الدباغين أو نهج الملاحة المتاخم له، فبعض الكتب قد لا يتجاوز سعرها 3 دنانير (دولار واحد تقريبا)، فيما يمكن اقتناء إحدى المجلات القديمة بأقل من دينار واحد (0.35 دولار)، لكن بعض المكتبات المنتصبة في نهج الدباغين أو الأنهج المتفرعة عنه صارت تعرض كتبا جديدة أو مؤلفات نادرة جدا بأسعار تصل أحيانا إلى 30 وحتى 50 دينارا (بين 10 و18 دولارا).

ولا تبدو تلك الأسعار مشطة بحسب الباحث علي السياري الذي يقول إن ”محلات بيع الكتب القديمة والمستعملة توفر لهواة المطالعة أنواعا من الكتب النادرة والمخطوطات النفيسة التي لا تقدر بثمن بل إن البعض منهم قد يبحث دون جدوى عن عناوين كتب معينة ولا يجدها في المكتبات التي تعرض الكتب الجديدة ولا في معارض الكتاب المتعددة، لكنه يعثر على ضالته في ركن قصي ومهمل في إحدى مكتبات بيع الكتب المستعملة أو تسترعي اهتمامه وهي معروضة فوق طاولة متهالكة على جانبي الطريق في نهج الدباغين في قلب تونس العاصمة“.

ويقول السياري وهو دكتور وباحث وكاتب في اللغة والآداب العربية، لـ“إرم نيوز“: ”كثيرا ما أقضي وقتا طويلا وأنا أطلع على كتب ومخطوطات نفيسة بعضها ساعدني كثيرا في البحوث التي أنجزها، هذه الأسواق تعتبر ملاذا جيدا لهواة المطالعة والباحثين، خصوصا أن أسعارها مناسبة“.

وفي ظل تراجع مؤشرات القراءة في تونس، أصبحت بعض المكتبات ودور النشر في تونس تنظم إقامة معارض موازية أو عرضية للكتب، وعادة ما تكون هذه المعارض في مداخل محطات النقل الكبرى حتى تستهوي المسافرين وسائر المارة.

كما تنظم بعض شركات توزيع الكتاب معارض عرضية في نهج الحبيب بورقيبة أكبر شوارع العاصمة تونس؛ وذلك لاستغلال الحركة الكبيرة التي يعرفها الشارع والترفيع في مؤشرات رواج الكتب بتونس.

جدير بالذكر أن تونس تعمل على تنفيذ خطة تهدف إلى الرفع في معدلات المطالعة والتشجيع على القراءة لكل الفئات العمرية، حيث يصل عدد المكتبات العمومية إلى 423 مكتبة يرتادها سنويا ما يناهز 4 ملايين زائر، ويبلغ عدد الكتب فيها 8 ملايين كتاب، وذلك حسب أرقام رسمية لإدارة المطالعة بتونس لسنة 2020.

كما تشير تقارير غير رسمية إلى أن معدلات القراءة في العالم العربي لا تتجاوز كتابا واحدا لكل 80 شخصا سنويا.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك