”انزلاق“ لهدى المبارك.. ما بين جوهر الشعر والاختزال – إرم نيوز‬‎

”انزلاق“ لهدى المبارك.. ما بين جوهر الشعر والاختزال

”انزلاق“ لهدى المبارك.. ما بين جوهر الشعر والاختزال

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

تتناول الشاعرة السعودية هدى المبارك مفاهيم إنسانية متنوعة وحالات شعورية واسعة، اتسمت بقدرة التشارك مع الآخر، في مجموعتها الشعرية ”انزلاق“، حيث صدرت عن دار رواشن للنشر والتوزيع 2018.

وتراهن المبارك  في شعرها، على تضييق المسافة بينها وبين اللغة قدر المستطاع، إذ تؤسس لمنطقة شعرية شديدة الالتصاق بتكوينها، باحثة بِحِرفة، عن تلك الخامة التي تتشكل منها كينونتها وقناعاتها، في دربها نحو الحياة. هذا التكور الشعري الداخلي تعرب عنه الشاعرة السعودية دون تكلف أو تعقيد، ينساب كما ينساب الماء من صنبور، في الماضي كان شديد الإحكام، وفي طوره الجديد، يسمح بذلك، عبر فتحة صغيرة.

تمارين ذهنية

وتمارس الشاعرة تمارينها الذهنية مع الشعر ولغة اكتشاف الغائر في الإنسان، بتناولها المشاعر المشتركة مع الآخر، فتكتب عن أولئك الذين يتفحصون جراحهم، للوقوف على ما تبقى لهم مساحة للبقاء، كمن يحاول تثبيت غلاف صورة بالية بمسمار آخير، كي لا تسقط عن الحائط.

وتُعبّر المبارك في شعرها، عن لهجة الإنسان الأزلية مع الحياة، فلا تمنع نفسها من تقدير الأحجام والمسافات، للعلاقات التي تربطها بالأشياء من حولها، لتشتق معرفة حقيقية عن تجارب، تراكمت عبر السنين. فبدت كما لو أنها تحيل نزيف الإنسان الخاص، إلى لحظات من اختراع الجمال.

تروس

وتجرب الشاعرة السعودية أن تطلق اعترافات، ربما للإنسان، ربما عنه، ربما للعالم، أو حتى للفراغ، في قصيدة ”ركن القمر“ فتكتب: ”هذه الحياة كبيرة عليّ، أنا فتاة بحذاء عالٍ، لا تستطيع حمل حقيبة، لا تستطيع صعود السلم، نكبر، وهذا العالم يكبر، وحشة تكبر“. هنا ليس إقرارا بالضعف بقدر ما هو تصريح بوحشة العالم. ولأن التروس الصغيرة التي يمتلكها الإنسان تتضاءل أمام التروس الكبيرة التي تدور بها آلة اليأس في الحياة. لكنها، وعلى الجزء الأخير من هذا الوجع، تفتح بابها على الخيال، فهنالك ركن صغير في القمر، تجلس فيه لتستعيد وجودها.

أما في قصيدة ”أمنية مسافرة“ فتبحث المبارك عن مساحة اختباء، حين نجدها تهرب إلى الجدران غير الاعتيادية، حيث تكتب “ الجدران الراقصة تمتلك حياة أهم من الأسرار والعابرين“ فما الذي يجعل الجدار يرقص، خيالا،  سوى رغبة في اهتزاز الثوابت، وتغيير القناعات؟ وما هي تلك الأسرار التي لمجرد رؤية جدارٍ، تتحرك داخلنا. أما العابرون، فهم أكثر من يجعل الإنسان يميل لترك الجدران، بحيث يسند ذات مرة على الشِعر.

لا مرئي

وفي  النص نفسه تبدي الحالة الشعورية عند المبارك رغبة التلاشي، بشكله المطلق، وتكرار لتركيبة عدم الظهور، حينما تكتب “ سأكون الهواء الذي يحمل صوتك، الحبر الذي يحملك عبر الزمن“ فالهواء الذي يعبر كل الأماكن، لا يهمه أن يثبت وجوده. بقدر ما يهمه تقديم الحياة للأشياء، وهنا التفاني في إنتاج الجمال الداخلي، فتربط الشاعرة بين شيئين مرئيين، كلاهما يحمل الآخر، الهواء الذي هو سبب وجودي للإنسان، والصوت، بَصمة المرء حتى بعد فنائه.

وتبرز ملامح أخرى من الدفق الشعري في قصيدة“عمر محفوظ“ حين تُضمّن المبارك عباراتها بأوصاف الإلغاء، وإنكار الوجود، فتكتب “ لا يوجد في حياتي ما يستحق الذكر، حفنة أوراق من الغبار (…) وأنا مسافرة، لا يوجد شيء يستحق المغادرة، حياتي جميلة، لكني لا أتطابق معها“. هي مشاعر التخلي عن العالم، فلا تريد منع شيء يتحقق، ولا إتاحة شيء ممنوع، كل ما في الأمر، أن الحياة تأتي بفكرة غير مطابقة لرؤيتها. هي تقف هناك، والقطارات تذهب وتجيء، من أمامها، دون أن تجد أي تأنيب، بعدم رفع كفها، للتلويح لمسافر ما.

الغربة عن المحيط

وتتواجد في قصيدة ”أول السفهاء“ حالة الغربة عن المحيط، حين يكون الإنسان مرهقا بأسئلته الكثيرة، وأفكاره المؤرقة، فإن ما ينتابه لا يقل حرقة عن انسلاخ الجلد عن الجسد. هي حالة شاذة في النظرة الجمعية، ولكل تفسيره الخاص، لكن الشعر لا تتوقف تلميحاته حول نقطة ما.  وكتبت المبارك “ يرميني المثقفون بالسذاجة، والشعراء بالضياع، والمتدينون بالمس، وحده أنت، ستعلل تصرفاتي بأن الشوق يتلبسني“.

وتكرر المبارك إعلان خسارتها أمام الحياة، في قصيدة ”العائلة، أنت وأنا“ حينما تكتب“ الشوراع كبيرة عليّ وأكبر مخاوفي الوحدة“. وتظهر مهارة الاختزال في هذا النص، ومقدرة الشاعرة على صنع لحظة الإرباك. فتكتب ”أنا أجبن مما يظنون وأضعف مما تعتقد، كلما افتعلت شِجارا معك، أقلع أحد أظفاري، أغرسه في جلدي، هكذا أنا أزرعك، أزرع الخطايا“. هذه التراكيب التي تصفع القارئ جمالا.

وفي قصيدة ”مدة صلاحية“ تعتمد المبارك على إظفر آخر من أظافر الشِعر، محققة حالة أخرى من الإرباك الممتع، فتكتب:“ قطفت ظفرا من أظافري، رسمت ساقا أخرى فوق ساقي الأيمن، ذراعا أخرى بجانب كتفي اليسرى، هكذا تعانقت جراحي كلها“.

تم الحذف

وفي آخر ورشاتها الشعرية تبقي المبارك صفحة فارغة إلا من جملة، كانت ”تم حذف هذه الرسالة“. ويبدو أن هناك شيئا قالته، أو أرادت أن تقوله، لكنها حذفته لأن مساحة الحرية ناقصة.

”انزلاق“ مجموعة شعرية غنية بالأفكار والقناعات شديدة الخصوصية، لا تعتبر صوتا نسويا قط، بل ملمة بمشاعر الإنسان، وتطلق تساؤلات وجودية، وصراخا إنسانيا، لهدم الجدار بين المرء والحياة. كل هذا الجوهر، ساقته المبارك في لغة دافئة، منوعة ما بين السرد الشعري والاختزال، والصور الخلاقة، وإيقاع داخلي متجدد، وبلغة طيعة، صالحة للعبور دون ضجيج، للداخل الإنساني.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com