نسق الصوت والإيقاع… في ”جراح تجرب نفسها“ لحامد عاشور – إرم نيوز‬‎

نسق الصوت والإيقاع… في ”جراح تجرب نفسها“ لحامد عاشور

نسق الصوت والإيقاع… في ”جراح تجرب نفسها“ لحامد عاشور

المصدر: حسام معروف - إرم نيوز

يقدم الشاعر الفلسطيني حامد عاشور انطباعات شعرية مجددة، في مجموعته الشعرية ”جراح تجرب نفسها“ الصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع 2018. وهي الفائزة بالمركز الثالث لمسابقة الكاتب الشاب لمؤسسة عبد المحسن القطان.

يأخذنا عاشور في رحلة من التأملات المبطنة، مع العديد من المعاني الإنسانية، مثل الوحدة، الخذلان، الموت، الخوف، الحب، وغيرها. ويتضح من شعره بأنه صوت مجرب، دومًا في أماكن الخطر، كأنما جسده يخلص نفسه من الشوك، من خلال اعتصار ذهنه في المساحات الجدلية المكتظة بالعاطفة وفلسفة الوجود الإنساني برمته.

رقص مع الزمن

ويعمد الشاعر الفلسطيني إلى إيجاد نغم إيقاعي خاصربين جمله الشعرية، باتباع ثيمات تكرارية لنفس النغم بين الجمل المختلفة. إن الإيقاع في قصيدة النثر، في ظل عدم وجود تفعيلة وقافية، يعود لغنائية ضمنية، يفردها الشاعر على شكل نصه، تتبلور بترك سكتات محسوبة بين المقاطع، وكذلك أحيانًا بين الجمل والكلمات، وهو ما أحسن عاشور صنعه. فيقول في قصيدة تجاهل:

”ظهرك

الذي تفردينه وتطوينه كأنه صفيحة صباحية،

ظهرك

الذي تطعمينه للمقاعد الوحيدة والجائعة،

ظهرك القاسي،

سورك العالي،

ظهرك امتداد الأرض،

فزاعة الحقل،

عامود إنارتي،

ظهرك المشدود كوتر،

اللين كنغم،

الهش كأصابع طفل،

ظهرك الذي من ماء وخبز،

ظهرك الذي حين أخذتِ كل شيء،

أعطيتِني إياه“.

ويتضح من النص الكيفية التي يتبعها عاشور في تخليق نظام موسيقي بوساطة تكرار كلمة ”ظهرك“، وكذلك تكرار نظم غنائي من خلال جمل متنوعة متباينة في المعنى، تارة من كلمتين،  وتارة من ثلاث. وهو ما أضفى على النص لحنًا مصاحبًا، زاد من جماليته. وقد اعتمد عاشور ذلك في العديد من نصوصه.

مغامرة بالحواس

ويمرر الشاعر الفلسطيني في شعره إرادته للتجريب في مساحات أوسع، ويغامر بكافة حواسه، من أجل نيل حظه من الأحاسيس الأخرى، حتى وإن كانت موجعة، لكنه لا يريد أن يبقى صندوقًا بلون وحيد، تسكب فيه البحار ماءها، ثم ينهمر الماء من ثقبه الوحيد. فيقول عاشور في قصيدة ”تمرد“:

”أريد أن أمرن قلبي على الوحشة، وشتاءات الفقد،

وعلى الإمساك بمظلة الحزن،

الذي هبطنا به على الأرض،

أريد أن أقبض على البحر من عنقه،

وأضعه في ثلاجة،

ثم أغلق الباب عليه،

أريد أن أنتصر للنسيان،

وأمضغ الذاكرة،….

أنا لم آت إلى هذه الأرض، فقط للبكاء“.

اللذة في الحفر

وفي تأمله يشتق عاشور جملًا شعرية متناهية في الدقة. وهي صنعة الشاعر في التقاط نقطة مجهرية، يكسبها قيمتها الفنية، من خلال تحضير خليطه الخاص للكلمات. فيقول حامد عاشور، في قصيدة ”ارتحال في النهر“: ”ضفة تقول لأختها في الجهة المقابلة: نحن في الأصل عين واحدة، بكت بمرارة، فشقها الدمع إلى نصفين“. ويكمن في هذا التغريد معانٍ يمكن اصطيادها، فالشاعر اعتمد أسلوبية الإيحاء، وفي الكثير من المواطن، هنالك معنى، يتوجب الحفر للوصول إليه، واستخراجه من شعر عاشور. ونرى في هذا المقطع، كيف أن الدمع، يشق المعنى الوجودي للنهر، ويشكل من الطين الطري ثيمة أخرى، ودائمة التجدد، وفي كل مرة تتخذ هيئة شعرية، كأنها قرط يلمع في أذن العالم.

وفي نفس القصيدة، يضع عاشور المشهد الأخير لوجودية الأشياء، ويختصر صراع الإنسان مع المشاهد، حينما يقول: ”شلال على بعد ألف ميل من بداية النهر، مشوار السقوط أيضًا يبدأ بخطوة“. وهنا يعيد للذهن سببية الصمت، وكيفية تشكله، فالتراكم في المعرفة يورث الصمت أمام الكثير مما يقوله العالم. هل هو نفسه الأسلوب الإنساني، يمارسه أمام المسطحات المائية؟ هل هي فعلًا، حالة تأمل للإنسان، صيغته الأخيرة: السقوط، كما يفعل ماء الشلال!

أرقام

ويرصد عاشور في قصيدة ”لم تكن كلمات فحسب“، انطباعية الإنسان السوداوية عن تجربة الحرب. فلا يعود بعد انتهاء الحرب شيء يتحدث سوى الأرقام، عن عدد الموتى، وعدد مرات الخراب، وهنا دور الشعر يبرز، في إحالة الضوء إلى مكان آخر، ألا وهو، كم ميلًا من القسوة سحلت به الحرب براءة الإنسان! فيقول عاشور في قصيدة لم تكن كلمات فحسب: ”ليست لدينا محصلة لنكتب أكثر عن الحرب، لأن القصائد التي كتبناها على هذا النحو، كانت جثثًا، ذات معنى ودموع“.

سيزيف

ويؤكد الشاعر الفلسطيني على معضلة الوجود الإنساني مع المعاناة، بداية من سيزيف في الأسطورة الإغريقية، إلى يومنا هذا، ويشرّح مغامرة الإنسان مع حمله الثقيل من الوجع، فيقول في القصيدة التي حملت اسم مجموعته الشعرية ”جراح تجرب نفسها“: ”لا لشيء خلقت، إنما هناك متاعب لا تريد أن تبقى وحيدة. لأن مرضًا ما، يحلم أن يتفاقم، ويتناسل، وينجب نفسه….. لأنه وبطريقة ما، هنالك جراح تريد أن تجرب نفسها، وصفعات لا بد أن تجد مكانها، ومعاول وفؤوس وسكاكين، اختارت النوم في خاصرتي“.

تكثيف وسرد

يجيد عاشور في شعره التكثيف، في الكثير من القصائد، لكنه يفقد هذا الوهج في قصائد أخرى ينتهج فيها سرد تفاصيل أقرب للقصصية، منها للشعر. فلا يتوقف عن سرد التقاطات، لو تجاهلها، لن يضر المعنى. فالشعر يتوهج من خلال التكثيف، وحذف الصور الباهتة. وكتب عاشور على هذا النمط قصيدة صور، فيقول: ”بينما كانت تنزع صورته عن حائط قلبها، كان هو  ينظف قلبه من غبار الترك، ومن خيوط العنكبوت، ويزين الرفوف بالأواني، ويلقم الأواني ورودًا، وكأنه يفصل إطارًا جديدًا من ألواح عمره الخشبية، إطارًا بطول الخيبة، وبعرض خيبة ونصف، ويدق مسمارًا عريضًا، في صميم قلبه، ويعلق صورتها لتبقى للأبد“.

من خلال مجموعته الشعرية، يتبين أن حامد عاشور يمهر في مشاكسة الشعر، بما يمتلكه من خيال خصب، وقدرة على انتقاء صور شعرية، يرففها بعناية، لتعزف موسيقاه، بوساطة صوته الشعري الجريء.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com