تجيير النصاب اللبناني للرئاسة السورية

تجيير النصاب اللبناني للرئاسة السورية
المصدر: وليد شقير

مع دعوة النواب اللبنانيين إلى انتخاب رئيس جديد لهم الأربعاء المقبل، يصعب على أي مراقب للصراع السياسي الدائم في لبنان وخلفياته الإقليمية وارتباطه بالأزمة السورية، أن يتوقع نجاح البرلمان اللبناني في اختيار الرئيس العتيد، نظراً إلى التعقيدات التي تحيط بهذه العملية محلياً وخارجياً.

فلا إمكانية لدى أي من فريقي الصراع السياسي اللبناني لتأمين الأكثرية المطلوبة من أجل ترجيح هذا الخيار أو ذاك. وإذا تأمّنت هذه الأكثرية، فإن الاجتهادات الدستورية حول الحاجة الى تأمين نصاب الثلثين (86 نائباً) ليتمكن المرشح المحظوظ من الحصول على أكثرية النصف زائداً واحداً (65 نائباً) في الدورة الثانية من عملية الاقتراع، حتى لو حصلت الدورة الأولى ولم يحصل فيها أي مرشح على أكثرية الثلثين، تجعل من المستحيل الإتيان بالرئيس وفق اقتراع طبيعي. فالقوى التي لا تتمتع بأكثرية النصف زائداً واحداً لمصلحة المرشح الذي تفضل، تستطيع أن تعطل نصاب الثلثين للحؤول دون نجاح المرشح الذي يمكن أن يحصل على الأكثرية المطلقة.

هذا ما فرضته الاجتهادات التي بات البعض يصفها بالهرطقات لأنها تقاس بمصالح أطراف وفقاً للحاجة، وليس تبعاً للمبادئ الدستورية وما أراده المشرع من وراء تحديد مواعيد لعملية الاقتراع مفترضاً أن حضور النائب جلسة الانتخاب واجب دستوري.

الاجتهادات هنا هدفها إعطاء القدرة لأي فريق لأن يستبعد مرشحاً بعينه، إذا كان يستطيع تأمين الأكثرية المطلوبة في الدورة الثانية، ويعطي هذا الفريق الحق بالفيتو على هذا المرشح المرتفع الحظوظ، إلا إذا كان المقصود فرط واحدة من الكتلتين الكبريين داخل البرلمان، أي 14 و8 آذار، لينضم فريق في واحدة منهما إلى الأخرى لتأمين نصاب الثلثين. وهذا لا يبدو ممكناً في ظل الاستقطاب الحاصل في لبنان.

في المحصلة، ألغى «تشريع» غياب النواب الذين تقرر قياداتهم الحؤول دون تكوين أكثرية لمصلحة هذا المرشح أو ذاك، إمكان تكوين هذه الأكثرية. وحلّ هذا التشريع للغياب مكان القوة القاهرة التي كانت تلزم معظمهم بالحضور لانتخاب الرئيس الذي تكون هي اختارته. فهذا ما كان يحصل أيام الوصاية السورية. و«تشريع» الغياب بالإصرار على نصاب الثلثين، لم تتم ممارسته في تاريخ الانتخابات الرئاسية اللبنانية إلا بعد الانسحاب السوري من لبنان، ليحلّ مكان القوة القاهرة وليعوّض عن انسحابها، أي أنه «تشريع» يفرض على الأكثرية الأخذ برأي الأقلية، حتى في الدورة الثانية للانتخاب التي تحتاج للنصف زائداً واحداً. إنه «تشريع» من خارج موازين القوى السياسية الداخلية، لأنه عملياً يلغي الدورة الثانية من الانتخاب، ويجعل اختيار الرئيس اللبناني خاضعاً لمنطق الدورة الأولى فقط، وهو «تشريع» يشكل الوصفة المثلى لحصول الفراغ في الرئاسة، كما جرى عقب انتهاء الولاية الممددة للرئيس السابق إميل لحود عام 2007، حين بقيت الرئاسة خالية أكثر من 8 أشهر، لتعذر ضمان نصاب الثلثين بسبب قرار قوى 8 آذار الغياب عن جلسة الانتخاب لأن قوى 14 آذار كان في استطاعتها تأمين أكثرية النصف زائداً واحداً في حينها، وكان المطلوب الحؤول دون انتخابها الرئيس الذي تتفق على ترجيحه. ولم يأت الرئيس ميشال سليمان إلا نتيجة تسوية إقليمية دولية عام 2008.

ومهما قيل عن أن ظروف لبنان تتيح لقواه السياسية أن تنتج رئيساً صنع في لبنان، فإن إحلال القدرة على تعطيل نصاب الثلثين مكان القوة القاهرة ليس سوى وسيلة تمهيد الطريق لصنع الرئيس من الخارج، بعد أن يحل الفراغ نتيجة صعوبة وصول الفريقين المتخاصمين في لبنان إلى التوافق على الاسم الذي يؤمن نصاب الثلثين.

الضياع الذي يلف القوى السياسية المحلية، وغموض مواقفها حيال الرئيس العتيد يعود ببساطة إلى أن المشهد الإقليمي الدولي الذي يفترض أن يصنع الرئاسة اللبنانية في حال انتظار لمحطات لها الأولوية على الرئاسة اللبنانية. فالأخيرة رهينة انتخابات الرئاسة السورية في شهر حزيران (يونيو) المقبل، وثمة من يريد تعطيل النصاب اللبناني من أجل تجييره لمصلحتها. وهي رهينة المفاوضات الغربية – الإيرانية التي تقتصر إلى الآن على الملف النووي دون الوضع الإقليمي، وحبيسة المراهنات على مفاوضات أو اتصالات سعودية – إيرانية غير مرئية حتى الآن.

وإلى أن ينضج المشهد، فإن أقصى ما يمكن اللاعبين المحليين القيام به هو إجراء اختبارات رئاسية هي صناعة محلية لن تخلو من الغرابة المأسوية أحياناً والطريفة أحياناً أخرى.

(الحياة)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث