الاستراتيجية المطلوبة في القمتين الخليجية والعربية

المصدر: راغدة درغام

عشية القمة الخليجية في الكويت آخر السنة الماضية، طَفَت الاختلافات السعودية – العُمانية إلى العلن وكانت المسألة الإيرانية السبب الرئيس للخلاف. وقبل أيام من القمة العربية في الكويت الأسبوع المقبل، وقعت سابقة في تاريخ «مجلس التعاون الخليجي» حين سحبت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية والبحرين سفراءها من قطر احتجاجاً على دورها في مصر بالدرجة الأولى. هذه ليست اختلافات طفيفة داخل التجمع الخليجي الذي يضم السعودية والإمارات وقطر والكويت وعُمان والبحرين، إنها سياسات متضاربة للدول الست التي كانت نصبت أمامها هدف التوصل إلى اتحاد خليجي يشابه الاتحاد الأوروبي الذي له ممثل واحد للسياسة الخارجية الأوروبية.

القمة العربية التي تعقد في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، ستليها زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الرياض في 28 منه حيث سيعقد اجتماعاً مع قيادات مجلس التعاون الخليجي إلى جانب اجتماعاته الثنائية مع العاهل السعودي. تأتي تلك الزيارة في أعقاب «التهام» روسيا القرم وما تلاه من عقوبات أميركية وأوروبية على روسيا ستعزز بالتأكيد أجواء المواجهة. التدهور في العلاقات الروسية – الأميركية، لا بد من أن ينعكس على القمة العربية والقمة الأميركية – السعودية والأميركية – الخليجية أقله من ناحية انحسار فرص التوصل إلى تفاهمات أميركية – روسية تؤدي إلى التسوية الكبرى. هذا تطوّر جذري سيؤثر في أجندة القمة العربية، وفي الطروحات الخليجية أمام الرئيس الأميركي، وكذلك في الحسابات الإيرانية. الحدث الأوكراني ليس عابراً، بالتأكيد، إنما السياسات الكبرى للدول العربية يجب ألّا تتهوّر إلى الاستنتاج أن العلاقات الأميركية – العربية والأميركية – الخليجية سترقى فجأة إلى عتبة جديدة، أو أن العلاقة الأميركية – الإيرانية ستنهار. الحدث الأوكراني يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند الإعداد للقمم المقبلة لأن صداه سيدوي في أكثر من بقعة عربية وفي مقدمها العراق ولبنان وسورية حيث ستشتد أواصر العلاقة الروسية – الإيرانية. والأرجح أن يتمكن أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح من احتواء الخلافات ما بين دول مجلس التعاون الخليجي ليحول دون هيمنتها على القمة العربية. وقبيل القمة الخليجية عقد الشيخ صباح قمة ثلاثية مع العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز وأمير قطر الجديد الشاب الشيخ تميم بن حمد آل خليفة وتم التوصل إلى تفاهمات خلاصتها لجم الدعم القطري لـ «الإخوان المسلمين» الذين تجد فيهم السعودية – والإمارات – خطراً أمنياً واستراتيجياً في مصر وفي دول عربية أخرى.

التهمة السعودية والإماراتية والبحرينية لقطر هي أنها لم تنفذ التعهّد بعدم فتح أبوابها للمعارضين الخليجيين، ولم تكف عن تشجيع «الإخوان المسلمين» ودعمهم بمختلف الوسائل، ولم تتوقف عن الحملة على مصر بعدما أطاحت حكم «الإخوان المسلمين» الوجيز.

ما ستسعى إليه الوساطة الكويتية هو تخفيف لهجة الخلاف بدلاً من حله جذرياً في الأيام القليلة الباقية قبل موعد القمة العربية. ستعمل على إقناع قطر بقليل من الصمت بدلاً من الكثير من التصعيد في وسائل الإعلام ضد الحكم في مصر التي تتهمه بـ «الانقلاب» على «الإخوان» وتتعهد بإضعافه.

في المقابل، ستسعى الوساطة الكويتية وراء ضمان عدم توجه القيادة المصرية إلى القمة العربية بأية مطالب لتصنيف «الإخوان المسلمين» منظمة إرهابية. فمثل هذا الطرح سينسف القمة ويؤطر الانقسامات العربية.

في كلام آخر، ما سيتم التوصل إليه في أفضل الحالات هو الإقناع بالصمت بدلاً من الحملة الصاخبة. ففي هذا المنعطف، ليس المطلوب من قطر أن تكون إيجابية بمعنى التجاوب تماماً مع الطروحات السعودية والإماراتية تجاه مصر. المطلوب ألا تكون سلبية.

السعودية والإمارات والبحرين لا بد من أن تدخل في حوار معمق مع قطر في الشأن المصري وكذلك الشأن الإيراني. فقطر متهمة بالتعاطف مع القوى الخليجية الموالية لإيران وتشجيعها على أعمال تعتبرها الدول الثلاث تهدد أمنها واستقرارها.

موضوع مصر أصبح جذرياً للسعودية والإمارات ويبقى حقاً مهماً لبقية الدول الخليجية باختلاف النسب. وترى الرياض أن على الدوحة ألّا تفشل النظام في القاهرة ذلك لأن إفشاله يعني إفشال مصر الليبرالية، «اللاناصرية»، «اللاخونجية». مصر الليبرالية ومصر الاعتدال هي في عمق المصلحة الخليجية. ومصر اليوم هي وزن وثقل أساسي في حفر أساس ضروري لوزن عربي في موازين القوى الإقليمية.

لهذه الأسباب، فالسياسة السعودية صارمة في المسألة المصرية مع قطر بمقدار ما هي عازمة – سوياً مع الإمارات – على إفشال كل جهود إحياء «الإخوان المسلمين» على الخريطة العربية، قطرية كانت تلك الجهود أو أميركية الهوى.

ولأن إدارة أوباما ما زالت تبدو متعاطفة مع «الإخوان المسلمين» اليوم كما بالأمس، فإن الحديث مع الرئيس باراك أوباما سيتطرق بالتأكيد إلى المسألة المصرية بكثير من الحزم والإصرار بلا تراجع.

قد يؤدي هذا الإصرار السعودي والإماراتي إلى مقاومة قطرية له. وفي تلك الحال، سيبرز تصدّع في أسس مجلس التعاون الخليجي. فإذا رفضت قطر الانضمام إلى الموقف السعودي والإماراتي في الشأن المصري عند الاجتماع مع أوباما، فسيحدث انشقاق في الصف الخليجي في أول لقاء يجمع مجلس التعاون بالرئيس الأميركي.

المسألة الإيرانية قد تصبح نافذة الخطر الأخرى على تماسك مجلس التعاون ليس عبر قطر بالضرورة، إنما عبر عُمان التي لها علاقات مميزة مع إيران في خضم الاختلاف السعودي مع طهران. وفي العلاقة السعودية – العمانية طيات من التوتر بسبب إصرار الرياض على إنشاء «اتحاد» للدول الست ومعارضة مسقط فكرةَ الاتحاد وكذلك بسب الاعتراض السعودي على الدور الإيراني في العراق وسورية ولبنان مقابل التفهم العماني شبه الكامل لذلك الدور.

العراق ليس فقط مصدر قلق للدول الخليجية، إنما للقمة العربية أيضاً. الخلاف المذهبي السنّي – الشيعي يستعر، والقبضة الإيرانية على العراق تزداد شدة عبر رئيس الوزراء نوري المالكي الذي يتمسك بالمنصب ويريده لولاية أخرى. العراق اليوم بات البوابة الإيرانية إلى سورية، وكلاهما – سورية والعراق – بات في الفلك الإيراني، وليس في البيت العربي حيث كانتا واجهته وصلبه.

قد تقفز القمة العربية على هذا الواقع لتتجنب المواجهة. قد ترى أن الأفضل لها الآن ألّا يحضرها الرئيس السوري بشار الأسد، لأنه لو حضر لعرقلها. قد تحتفي بعدم حضور نوري المالكي، لأنه بات طيراً يغرد في غير السرب العربي. كل هذا لا ينفي أن على القمة العربية أن تواجه بصدق واقع انفصال سورية والعراق عن البيت العربي وانتمائهما بدلاً إلى إيران. فهذا تطوّر له استحقاقات مهمة لن يجدي التظاهر بأنها هامشية أو عابرة.

على القمة العربية أن تطلق ورشة تفكير بما يحدث في العراق وسورية وما سيترتب على لبنان نتيجة واقعه السياسي والجغرافي في جيرة سورية وتحت النفوذ الإيراني عبر «حزب الله». فإذا قررت أن «لا حول ولا قوة» ويجب الاستسلام لخروج العراق وسورية من المظلة العربية، فإن استحقاقات هذا الإقرار فائقة الأهمية. وإذا قررت أن أمامها خيارات لاستعادة العراق وسورية إلى الهوية العربية والانتماء العربي، عليها أن تضع استراتيجية لكيفية استمالة هذين البلدين المهمين مجدداً إلى الحضن العربي.

في هذا المنعطف، ستبقى أن القمة العربية والقمة الأميركية – السعودية والأميركية – الخليجية مبعثرة وهائمة في الشأن السوري ما لم تتخذ قرارات مهمة.

وواضح الآن أن الاستراتيجية الإيرانية والروسية تقوم على ضمان انتخاب بشار الأسد لولاية من سبع سنوات جديدة عبر الإصرار على انتخابات رئاسية في حزيران/ تموز (يونيو/ يوليو) هذه السنة. هذه الانتخابات تنسف عملياً مسيرة «جنيف – 2» الهادفة إلى إنشاء هيئة حكم انتقالي بصلاحيات إدارية كاملة.

وأوضحت طهران منذ البداية أن هدفها هو بقاء الأسد حتى الانتخابات في 2014، وهي الآن واضحة في زعمها إجراء الانتخابات في موعدها. طهران منذ البداية أوضحت أنها لا تقبل بمرجعية جنيف، بالتالي تعارض إنشاء هيئة حكم انتقالي تحل مكان حكم الأسد. لذلك، رفضت الموافقة على المرجعية كشرط لحضورها مؤتمر «جنيف – 2» في مونترو.

روسيا راوغت. وافقت على «جنيف – 1» ثم تملّصت منه. راهنت على فشل عقد «جنيف – 2»، وعندما عُقد أقحمت عليه أولوية مكافحة الإرهاب لإفشاله. تظاهرت أنها ليست متمسكة بالأسد، ثم ها هي الآن تريد عقد الانتخابات الرئاسية لإعادة انتخابه.

الممثل الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي أدرك أن إيمانه بتفاهم أميركي – روسي سيؤدي إلى حلحلة الأمور لمصلحة الحل السياسي في سورية بات الآن أضعف. أدرك أن إجراء الانتخابات يعني القضاء على «جنيف – 2». وعندما تحدث عن ذلك علناً، انقلبت عليه دمشق واتهمته بالتدخل في شأنها الداخلي. والآن، ومع التطورات في أوكرانيا، يعي الإبراهيمي أن مسار التوافق الأميركي – الروسي وصل إلى حائط مسدود.

هذه الوقائع تتطلب استراتيجيات عربية غير تلك المعهودة. فإذا كانت السياسة السعودية في وارد الإقرار ببقاء الأسد رئيساً لفترة مقبلة، فلتوضح ذلك. وإذا كانت عازمة على تغيير النظام مهما كان الثمن، فلتأتِ باستراتيجية مضادة للاستراتيجية الإيرانية عبر تسليح نوعي شاءت واشنطن أو أبت.

المهم، ألّا يفكر أي كان بأن وسيلة «الانتصار» في سورية تكمن في المزيد من الأفغنة في سورية. كفى هذا البلد ما دفعه ثمناً لسياسات قاصرة ومُنتقصة. حان الوقت للحسم إما لجهة الرضوخ لأمر واقع مهما كان الأسد مرفوضاً، أو لجهة قلب المعادلة حقاً عسكرياً، أو لجهة العمل الجدي نحو تفاهمات جذرية مع إيران.

باراك أوباما قد يفضل استمرار الوضع الراهن المضني وقد يرحب بنقلة نوعية في العلاقة السعودية – الإيرانية. المهم أن أوباما لن يدخل الساحة السورية مباشرة مهما كانت علاقته بروسيا ومهما قررت موسكو وطهران أن فوزهما بسورية هو الأولوية القاطعة لهما في المنطقة العربية.

القمة العربية قد لا تضع سورية في مقدم أولوياتها سوى لغوياً وعاطفياً. القمة السعودية – الأميركية تتطلب دراسة معمقة في الخيارات العملية المتاحة كي لا «ترفّع» الخلافات وتتظاهر بأن المياه عادت إلى مجاريها. وسورية في طليعة التحديات.

لعل ما تتوصل إليه القمة الأميركية – الخليجية أو القمة الأميركية – السعودية هو التفاهم على ضرورة دعم مصر سوياً، والاقتناع بالحاجة إلى الصبر سورياً فيما تُتخذ الإجراءات لسحب البساط من تحت أقدام قوى الإرهاب وقوى التطرف التي صادرت الثورة السورية. إنما من المهم ألّا يُكلَّف الشعب السوري عبر المعارضة المعتدلة شن الحرب على قوى الإرهاب إرضاءً للأولوية الأميركية، فهذا انتحار آخر يُطالب به شعب دفع بلده فدية الأخطاء المحلية والإقليمية والدولية الفظيعة.

(الحياة)

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث