زيارة ترامب للمنطقة محاولة لتصحيح أخطاء أوباما

زيارة ترامب للمنطقة محاولة لتصحيح أخطاء أوباما

سليم نصار

مثلما سافر الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون الى خارج البلاد من دون أن تؤثر فضيحة مونيكا لوينسكي في نشاطه الخارجي… هكذا يستطيع الرئيس دونالد ترامب تنفيذ زياراته المقبلة من دون أن تؤثر الاتهامات المتزايدة في برنامجه الخارجي.

وكانت صحيفتا «واشنطن بوست» و «نيويورك تايمز» قد نشرتا تفاصيل حادثة ادعتا أن ترامب كشف أسرارها أمام وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف والسفير الروسي سيرغي كيسيلياك. ورأى منتقدوه في الحزبَيْن الجمهوري والديموقراطي أن التفاصيل التي باح بها أمام ممثلي دولة غير صديقة قد أغضبت إسرائيل باعتبارها الجهة التي زودته بالمعلومات.

وكان من الطبيعي أن يستغل خصومه هذا الخطأ الديبلوماسي، ليحشدوا ضده حملات إعلامية قاسية لم يعرفها من قبله سوى الرئيس ريتشارد نيكسون أثناء فضيحة «ووترغيت». كذلك أضاف طرد مدير مكتب التحقيقات الفيديرالي (اف بي اي) جيمس كومي بعداً سياسياً جديداً.

ومع أن العلاقات الأميركية – الروسية لم تشهد التطور المطلوب في عهد ترامب، إلا أن الرئيس فلاديمير بوتين اضطر هذا الأسبوع الى فتح معركة إعلامية دفاعاً عن سيد البيت الأبيض. وانتقد بقسوة تذبذب المجتمع الأميركي الذي وصفه بأنه يعاني من مرض انفصام الشخصية «شيزوفرينيا». وروى عبر مؤتمر صحافي قلقه حيال ازدياد الضغوط على رئيس لم يكد ينهي فترة الاختبار بعد، والمحددة بمئة يوم.

على امتداد عشرة أيام، حرصت وسائل الإعلام الأميركية على المقارنة بين عملية «ووترغيت» وعملية إقالة مدير مكتب التحقيقات الفيديرالي جيمس كومي.

ويشير تاريخ الحادثة الأولى الى إصرار المحقق الخاص كوكس على الاطلاع على الأشرطة التي تحفظ تسجيل المكالمات التي أجراها نيكسون في البيت الأبيض. ولما رفض الرئيس الاستجابة لطلبه، قام كوكس بتكرار طلبه، الأمر الذي دفع الرئيس الى إقالته من منصبه.

هل صحيح أن جيمس كومي كرر مع ترامب لعب دور كوكس؟

تزعم قناة «سي ان ان» أن الخطأ الأساسي الذي ارتكبه كومي هو إصراره على مشاركة أعضاء الكونغرس في تحقيقات البريد الالكتروني الخاص بمرشحة الرئاسة هيلاري كلينتون. وقبل عشرة أيام من موعد الانتخابات، دانها، ثم تراجع عن موقفه ليعلن براءتها. ولهذا وصفت تذبذبه بأنه كان السبب في هزيمتها.

ويعترف الرئيس أوباما بأنه كان على وشك إقالة كومي، لولا خوفه من ترامب الذي استخدم هذه اللعبة السياسية لمصلحته. ولما حاول كومي تجديد لعبة التسريبات الإعلامية، قام الرئيس ترامب بطرده، الأمر الذي عرّضه لحملة سياسية ظلت تتفاعل في الولايات المتحدة حتى اليوم.

وترى الصحف الإسرائيلية أن الانتقادات القاسية التي شنها خصوم الرئيس ترامب ضده، قد تحفزه على استحداث حلول طارئة ليست في الحسبان. ولقد أعرب رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو عن تخوفه من عواقب سياسة الارتجال التي تميز بها ضيفه يوم الإثنين. وربما كان الاتصال الهاتفي الذي فاجأه به هذا الأسبوع أفضل دليل على تقلباته المزاجية المتوقعة. علماً أنه أعلن قبل مدة أن أولى رحلاته الخارجية منذ دخوله البيت الأبيض ستكون الى السعودية وإسرائيل والفاتيكان. أي الى المراكز الروحية للإسلام واليهودية والكاثوليكية.

باراك أوباما استخدم الشرق الأوسط كجسر عبر فوقه الى المنطقة من بوابتي انقرة والقاهرة سنة 2009. وفي القاهرة بدأ كلمته بالقول: جئت الى هنا من أجل فتح صفحة جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين في أرجاء العالم. وهذه الصفحة تعتمد على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وعلى حقيقة مفادها أن أميركا والإسلام ليسا متناقضين.

بعد مرور ثماني سنوات على ذلك الخطاب، تغير الشرق الأوسط من دون أن يصيب التغيير الرئيس أوباما الذي خلفه دونالد ترامب في المهمة ذاتها.

وحقيقة الأمر أن أميركا أوباما لم تخلف في المنطقة سوى الحروب والدمار وملايين القتلى واللاجئين. إضافة الى نزاعات ليس لها حل. وبسبب هذا العجز تحولت روسيا الى قوة عظمى تسيطر على المنطقة. كذلك ازدادت قوة إيران على حساب الدول العربية، وظلت القضية الفلسطينية مسألة هامشية مهملة تبحث عن منقذ.

ويزعم أوباما في معرض تبرير تقاعسه أنه ورث عن سلفه جورج بوش منطقة معادية ومقسمة ومليئة بأعمال الاٍرهاب. وكان ذلك قبل ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش). وقد انبثق هذا التنظيم عن حكومة نوري المالكي الذي اهتم بطائفته وأهمل السنّة. وهكذا أعطى المجال للأكراد بحيث عززوا حكمهم الذاتي، وباشروا الانفصال عن وحدة العراق.

ويدعي أوباما أن الوضع المحرج في العراق أجبره على سحب قواته، وأقنعه بأن من الأفضل أن يتدبر العراقيون شؤون بلادهم. وحجته أن بقاء القوات الأميركية في العراق سيضطره الى محاربة «داعش» على الأراضي العراقية. وشجعه على اتخاذ هذه الخطوات ما حدث للأميركيين في أفغانستان على أيدي جماعة «القاعدة». وكانت الحصيلة مقتل 2400 جندي. وفي رده على مَنْ يتهمونه بأن خروج القوات الأميركية من العراق سنة 2011 مهد الطريق لسيطرة «داعش» على أجزاء من البلاد سنة 2014، قال أوباما إن هذا الادعاء يصعب إثباته.

لكن الانسحاب الأميركي زاد من قوة إيران في العراق بحيث إن البلد العربي تحول الى دولة تابعة تدور في فلك إيران. ومن المؤكد أن طهران عرفت كيف تثأر للحرب التي خسرتها ضد صدام حسين، وكيف تملأ الفراغ السياسي – الاقتصادي – الأمني. ويجمع المراقبون على القول أن محاباة باراك أوباما في التعاطي مع إيران هي التي خلقت شرخاً كبيراً في الجسم السياسي العربي، من الصعب على ترامب تجميد نزيفه وتخفيف آلامه.

حول زيارة ترامب للمنطقة، ذكر سفيره في تل ابيب ديفيد فريدمان أن الإسرائيليين سيطمئنون الى موقفه من عمليات الاستيطان. وأكد كذلك أن الرئيس الأميركي لا يحمل خطة سياسية أو خريطة طريق. لذلك استبق 800 عضو من اللجنة المركزية في حزب «الليكود» ليوقعوا على عريضة تطالبه بضرورة تطبيق السيادة الإسرائيلية على مستوطنات الضفة الغربية.

تقول الصحف الإسرائيلية إن صهر الرئيس جاريد كوشنر ومبعوثه الى المنطقة يعرف سلفاً كيف يفكر «عمّه»، وماذا يهمه من «اللوبي اليهودي» الذي يشرف على نشاطه عادة رئيس الحكومة. ومركز اهتمامه سيكون منصباً على وقف الحملات ضده، ومنع انزلاقه الى هاوية الاستقالة، كما يتمنى خصومه.

ومن المتوقع أن يطلب نتانياهو مقابل تمنيات ضيفه الكبير الأمور التالية: 1- إعادة المصادقة على رسالة الرئيس جورج بوش الصادرة في نيسان (ابريل) 2004، والتي وافق فيها على احتفاظ إسرائيل بالكتل الاستيطانية المركزية. 2- الاعتراف بضم هضبة الجولان، والحصول على وعد بأن تضغط واشنطن على إيران وروسيا من أجل القبول بذلك. 3- إلغاء مشروع حل الدولتين لشعبين، واستبداله بمشروع يشمل التنازل عن السيطرة على مناطق لمصلحة الأردن ومصر.

ولكن، أين أصبح الوعد الذي أعطاه الرئيس ترامب لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس؟

ذكر البيت الأبيض أن ترامب سيعبّر عن دعمه حق تقرير المصير للفلسطينيين، الأمر الذي يؤكد موافقته على حل الدولتين. ويبدو أن المفاجأة التي أعدتها إسرائيل في مناسبة زيارته تتلخص بتنفيذ مشروع بناء جزيرة اصطناعية قبالة شواطئ قطاع غزة تشمل إقامة مطار وميناء. وتشترط حكومة نتانياهو نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في غزة مقابل تحقيق هذا المشروع المكلف.

وكانت «حماس» التي طالبت باستخدام ميناء غزة والسماح بتشييد مطار دولي أول مَنْ رفض هذا المشروع. والسبب أن إسرائيل ستجعل من قطاع غزة الموقع النهائي للدولة الفلسطينية المطلوبة. خصوصاً بعد رفضها القاطع إيجاد حل لـ 650 ألف مستوطن، وإصرارها على ضم كامل أراضي الضفة الغربية. وهذا معناه أن بناء جزيرة اصطناعية على مساحة ثمانية كيلومترات مربعة ستكون هي الجزء المكمل للدولة الفلسطينية.

ومن المؤكد أن الرئيس محمود عباس سيرفض هذا العرض كثمن لاستئناف عملية السلام، ولو أدى ذلك الى انتظار رئيس أميركي آخر غير الرؤساء الستة السابقين، الذين وعدوا ولم ينفذوا…

الحياة