اليهودي اللايهودي و’الأسرَلة’ القسرية

اليهودي اللايهودي و’الأسرَلة’ القسرية
المصدر: خيري منصور

قد يبدو هذا العنوان منطويا على تناقض ظاهري، لكنه في العمق يختصر الاطروحة المضادة التي قدمها المفكر اسحق دويتشر في محاولته الاجابة عن سؤال الهوية، هذا السؤال الذي يهجع زمنا في ادراج الدولة العبرية، ثم يثار مجددا في اوساط اللوبيات اليهودية خصوصا في امريكا.

ولأن اطروحة دويتشر لم ترق لدعاة أسرلة وصهينة يهود العالم فقد عبّر بن غوريون عن ذلك عندما التقى دويتشر، ورفض مصافحته ليس فقط لأنه جازف بهذا المقترب غير الصهيوني للهوية، بل لأنه ايضا لا يكتب باللغة اليديشية التي تحاول اسرائيل احياءها خصوصا بعد ان نال احد كتّابها جائزة نوبل وكانت اليديشية لغته . وفي الآونة الاخيرة صدر كتابان لعلها مناسبة لاعادة فتح هذا الملف، احدهما عن الشاعر الالماني هاينة والاخر عن الفيلسوف سبينوزا، لكن قبل التوقف عند الكتابين وما يطرحانه في هذا السياق، علينا ان نتذكر ما حدث لكتاب اصدرته الكاتبة العراقية بديعة امين قبل عقود بعنوان ‘هل ينبغي احراق كافكا؟’ فقد اختفت نسخ الكتاب في ظروف غامضة، وما ضاعف الشكوك حول مصير الكتاب هو ما حاولته الكاتبة من استعادة فرانز كافكا وتحريره من الأسرلة القسرية التي سعت الى أدلجته بأثر رجعي، خصوصا من خلال احدى قصصه بعنوان ابن آوى وعرب .

ان خطورة هذه الاسرلة تكمن اولا في تقويل نصوص كافكا كبديل لتأويلها فهو في معظم نصوصه كان يثير اشكالية وجودية تخص الانسان في كل زمان ومكان، هكذا نقرأ كتاب المسخ مثلا، وكذلك القلعة حيث يعاقب البشر على جرائم لم يقترفوها، ففي المسخ يصحو ساسا من النوم ليجد نفسه خنفساء مغطاة بالشعر الكثيف، وفي القلعة يذبح البطل ككلب على صخرة، ولسوء حظ من حاولوا صهينة كافكا ان قيّض لهذا الكاتب وريث ادبي هو كونديرا الذي بحث عن وقائع حدثت بالفعل لسلفه، وبذلك بدت للمرة الثانية سوريالية كافكا كما لو انها واقعية، لكن بتعريف آخر يوسع المصطلح والمرة الاولى كانت من خلال قراءة جارودي لكافكا في كتابه الذي اثار سجالا واسعا بعنوان ‘واقعية بلا ضفاف’. فالواقعية بهذا المعنى واقعيات وليست واحدة تماما كما هو الحال مع البنيويات التي لا يمكن اختزالها في واحدة، لأن بنيوية غولدمان التكوينية وذات المرجعية الماركسية ليست بأي حال البنيوية الشكلانية لآخرين، وهناك واقعية فائقة تتحدث عما سوف يقع وليس عما وقع بالفعل، مثالها قصة شهيرة لتشيكوف الروسي عن خادمة خنقت طفل مخدومها بتأثير النعاس وحاجتها الى النوم بعد سهر دام يومين وكان الطفل بصراخه يحول دون استغراقها في النوم، وبعد رحيل تشيكوف بزمن نشرت البرافدا الروسية حادثة مطابقة تماما لقصة تشيكوف.

* * * * * * *

هاينريش هاينه كما وصفه بودلير نادر لا تملك فرنسا شاعرا يمكن ان يقارن به، وقال عنه الفيلسوف نيتشة انه اول فناني اللغة الالمانية، واعتبره ماركس اهم شاعر الماني بعد غوته، لكن يهودية هاينه اجتذبت بقوة تلك الدوائر الثقافية والاعلامية الصهيونية التي حاولت تجييره وأدلجته وبالتالي اختزاله، لكن على طريقه قاطع الطريق اليوناني بروكوست في الاسطورة التي كان يمط سيقان ضحاياه او يبترها كي تناسب مساحة سريره.

تعرف هاينه عن كثب على غوته المولع بالآداب الشرقية وصاحب الديوان الشرقي الذي فتن بحكمة الشرق يقول كما ورد في ترجمة ماجد الخطيب مؤلف الكتاب لقصائده :

اه ايها الفردوسي

آه يا حافظ آه يا سعدي

ما أقسى عذاب زميلكم

آه ما اشد شوقي الى ازهار شيراز

ولد هاينه في نهاية القرن الثامن عشر واطلق عليه والداه اسم هاري لأن المؤسسات الالمانية كانت تحظر على اليهود تسمية ابنائهم بأسماء المانية، وتحول الى المسيحية وهو في السابعة والعشرين من عمره وغيّر اسمه الى كريستيان وحين التقى كارل ماركس في باريس نشأت بينهما صداقة رغم فارق السن وتسللت الى كتاباته مصطلحات ماركس كرأس المال وفائض القيمة والبروليتاريا، لكن هذا الاسم الجديد والتحول الى المسيحية لم يمنع السلطات الالمانية من مصادرة اعماله وأحرق الفاتيكان كتبه ثم عاد النازيون لاحراق كتبه ايضا وحظر تداولها، لكن هذه السيرة تبقى اطارا وليست جوهرا في نتاج الشاعر لأن شجونه ميتافيزيقية بامتياز واقرانه بدءا من هيغل الى الموسيقار فاغنر وليس انتهاء بنيتشة وماركس، لم يكن القاسم المشترك الذي يجمعهم ايديولوجيا او عقيدة او طائفة، ومحاولات تقويل هاينه على طريقة بروكوست وهي ان تعترف النصوص بما تقترف لا يوازيها سوى شيطنة فاغنر ذاته او كازانتزاكي الذي كتب عن فلسطين بعد زيارتها في اربعينيات القرن الماضي او حتى شكسبير بسبب مسرحيته تاجر البندقية.

* * * * * * * * *

ربما كان الفيلسوف سبينوزا النموذج الاقرب الى التقويل المتعسف، والكتاب الصادر عنه للدكتور عبد القادرجموسي بعنوان ‘سبينوزا من الطائفة الى الدولة’ يقدم بانوراما عن هذا الفيلسوف، فسيرة حياته مشحونة بتراجيديا حتى النهاية، ولد من عائلة يهودية في النصف الآول من القرن السابع عشر، وشأن كل اليهود الذين عاشوا في اسبانيا حتى سقوط غرناطة كان التعايش ممكنا، لكن ملوك قشتالة اصدروا مرسوم الحمراء بعد سقوط غرناطة، الذي يطالب اليهود باعتناق المسيحية او مغادرة البلاد، وعلى خلفية هذه الاحداث هاجرت عائلة سبينوزا الى هولندا ثم الى فرنسا، ورغم ان الفيلسوف دخل مدرسة يهودية في امستردام ودرس كتب اللاهوت وتعلم اللغة العبرية الا ان هذه المكونات الاولية في حياته لم تصمد امام الافاق التي استجدت عليه، وحاكمته الطائفة اليهودية بقرار بالنّبذ والتكفير وجاء في القرار ان سبينوزا ملعون في الدنيا والاخرة والليل والنهار، ويجب على الجميع الا يتحدثوا اليه او يقدمو له اية معونة او يقرأوا له حرفا واحدا، وحرضت الطائفة اليهودية المسيحيين عليه، ذلك باختصار لأنه كما يرى مؤلف الكتاب وضع اللبنات الاولى لفكرة الدولة الحديثة الحاضنة للتعدد والحرية والتسامح كبديل لمنطق الطائفة ودوغمائيتها النابذة لكل اختلاف او اجتهاد.

وانتهى سبينوزا الذي مارس في حياته مهنة صقل الزجاج الذي اصابه بمرض رئوي مزمن اضافة الى صقل مفهوم الدولة الذي عوقب عليه حتى الموت .

* * * * * * * * *

نفهم من هذا كله ان العرب المسلمين في الاندلس كانوا ملاذا لليهود من محاكم التفتيش، لكن الكنيس اليهودي تحول هو نفسه الى محكمة تفتيش ضد اليهود انفسهم، ولا يمكن لأي باحث ان يتوصل الى استقراء سليم لما يمارسه اليهود الاشكيناز، او الغربيون ضد يهود الشرق (السفرديم) ويهود الفلاشا الافارقة، اذا لم يعد الى الوراء، وحين يرفض طلب امرأة يهودية سوداء حتى لو كانت عضوا في الكنيست من التبرع بالدم لأن دمها ليس نقيا، فمعنى ذلك ان سؤال الهوية الذي طرحه دويتشر يحتاج الى اعادة نظر، فيهود الفلاشا السود يطلقون على انفسهم اليوم صفة يهود اليهود!

واذا كان لا بد من امثلة اخرى تتخطى الثقافي والفلسفي الى السياسي فإن اغتيال المفكر ابراهام ليون وهو يهودي بيد يهودية يدحض الاطروحة الصهيونية الساعيّة الى أسرلة كل المثقفين والفنانين والشعراء اليهود في التاريخ، ان شيطنة وهتلرة كل مثقف او فنان في العالم يخرج عن بيت الطاعة الصهيونية كما حدث ليهود منهم شاحاك وتشومسكي ورايخ وآخرون يقابلها التقويل القسري والبروكوستي لفلاسفة وشعراء يهود من طراز سبينوزا وهاينة من اجل اسرلتهم رغما عنهم وعن كل منجزاتهم الفكرية.

*القدس العربي
للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث